الفقر يقود إلى جبهات أوكرانيا.. شبكات تجنيد تستغل شباب اليمن بوعود العمل
السياسية - منذ ساعة و 14 دقيقة
عدن، نيوزيمن:
كشفت تقارير دولية عن تنامي نشاط شبكات تجنيد عابرة للحدود تستغل الانهيار الاقتصادي في اليمن لاستدراج الشباب الباحثين عن العمل، وتحويلهم إلى مقاتلين في الحرب الروسية الأوكرانية، في ظاهرة تعكس -بحسب مراقبين- تحول الفقر والبطالة إلى أدوات تستخدمها شبكات الاتجار بالبشر لتحقيق أرباح مالية، مستفيدة من غياب الرقابة وتدهور الأوضاع المعيشية في مناطق واسعة من البلاد.
وبحسب تقرير نشره موقع سكاي نيوز عربية، فإن آلاف اليمنيين الذين دفعهم اليأس وانقطاع مصادر الدخل إلى البحث عن فرص عمل خارج البلاد، وقعوا ضحية وعود مضللة بوظائف مدنية ورواتب مرتفعة، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم داخل معسكرات الجيش الروسي، ومن ثم على خطوط المواجهة في أوكرانيا.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن عمليات الاستقطاب لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى نشاط منظم تديره شبكات تمتد من داخل اليمن إلى دول وسيطة ثم إلى روسيا، مستفيدة من هشاشة الوضع الاقتصادي والانقسام السياسي، بما يجعل الشباب اليمني الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.
ونقل التقرير عن مصدر عسكري يمني قوله إن عمليات التجنيد بدأت تتكشف قبل نحو ثلاثة أعوام، وما تزال مستمرة حتى اليوم، مستفيدة من الظروف الاقتصادية المتدهورة التي يعيشها اليمن، والتي دفعت أعدادًا متزايدة من الشباب إلى قبول عروض سفر دون التحقق من طبيعتها أو الجهات التي تقف خلفها.
ويرى مراقبون أن استمرار انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل واتساع رقعة الفقر، خصوصًا في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، خلق بيئة خصبة لنشاط سماسرة التجنيد، الذين يقدمون وعودًا براقة برواتب مرتفعة ووظائف مدنية، قبل أن يتحول المجندون إلى وقود لحرب خارج حدود بلادهم.
ويستعرض التقرير ما كشفته تحقيقات دولية سابقة، أبرزها تحقيق صحيفة "فايننشال تايمز"، التي وثقت شهادات ليمنيين أكدوا أنهم تلقوا عروضًا للعمل في مجالات مدنية، بينها الأمن والهندسة، مع وعود بامتيازات مالية كبيرة، إلا أنهم فوجئوا بعد وصولهم إلى روسيا بإجبارهم على توقيع عقود باللغة الروسية لم يكونوا قادرين على فهمها، قبل إخضاعهم لتدريب عسكري قصير وإرسالهم إلى جبهات القتال في أوكرانيا.
كما أظهرت شهادات أخرى أن الرواتب التي حصل عليها المجندون كانت أقل بكثير من المبالغ التي وعدهم بها الوسطاء، في مؤشر على أن عمليات الاستقطاب تعتمد على التضليل والخداع منذ بدايتها.
ويشير تقرير شبكة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) إلى أن عملية التجنيد لا تتم عبر جهات عسكرية مباشرة، وإنما بواسطة شبكة من الوسطاء الذين يستهدفون الشباب اليمني بعروض عمل وسفر، ويتولون استكمال جميع مراحل العملية، بدءًا من الاستقطاب، مرورًا بإجراءات السفر والتنسيق مع الجهات المستقبلة، وصولًا إلى توقيع العقود ونقل المجندين إلى معسكرات التدريب.
كما رصد التحقيق ارتباط إحدى شركات التجارة العامة المسجلة في إحدى الدول العربية بترتيبات سفر يمنيين إلى روسيا، حيث تضمنت العروض وعودًا بالحصول على وظائف ورواتب مرتفعة، بل وحتى الجنسية الروسية، وهي إغراءات استهدفت استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب.
وفي تصريحات خاصة لـ"سكاي نيوز عربية"، قال الخبير الأمني والعسكري اليمني علي الذهب إن شبكات التجنيد ما تزال تنشط بصورة رئيسية في مناطق سيطرة الحوثيين، ويشرف عليها أشخاص نافذون داخل الجماعة، إلى جانب متعاونين في بعض المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، بما يحول عمليات نقل المجندين إلى نشاط منظم يدر أرباحًا مالية كبيرة.
وأوضح الذهب أن استمرار توقف صرف رواتب الموظفين في مناطق الحوثيين، والاكتفاء بصرف مبالغ محدودة ومتقطعة، ساهم في دفع أعداد كبيرة من الشباب إلى البحث عن أي فرصة عمل خارج البلاد، وهو ما جعلهم فريسة سهلة للوسطاء الذين يروجون لعروض مالية مغرية ومكافآت وإمكانية الحصول على الجنسية الروسية.
وتعكس هذه الإفادات، بحسب مراقبين، كيف تحولت الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مناطق سيطرة الحوثيين إلى بيئة تسمح بازدهار شبكات الاتجار بالبشر، في ظل غياب أي إجراءات حقيقية للحد من نشاطها أو حماية الشباب من الوقوع في شباكها.
ووفقًا للذهب، فإن المجندين لا ينتقلون مباشرة إلى روسيا، بل يتم تهريبهم أولًا إلى دولة ثالثة، قبل استكمال رحلتهم إلى الأراضي الروسية، في مسار يهدف إلى تجاوز القيود المفروضة على السفر وإخفاء طبيعة العملية.
وأشار إلى أن نجاح هذه المسارات يعتمد على وجود تسهيلات يقدمها نافذون في مناطق الحوثيين، إلى جانب متعاونين في بعض المناطق الخاضعة للحكومة، يحصلون على مقابل مالي نظير استمرار هذه العمليات.
ويرى محللون أن ما يحدث يتجاوز كونه عمليات تجنيد تقليدية، ليعكس نموذجًا متطورًا لشبكات الاتجار بالبشر، التي حولت معاناة اليمنيين إلى تجارة مربحة، مستغلة الفقر والبطالة وانهيار مؤسسات الدولة لإرسال الشباب إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في العالم.
ويؤكد التقرير أن استمرار الحرب في أوكرانيا، بالتزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في اليمن، يوفر بيئة مواتية لازدهار هذه الشبكات، التي تستثمر في يأس الشباب أكثر مما تستثمر في قدراتهم، وتحول الباحثين عن لقمة العيش إلى مقاتلين في صراع لا يرتبط بوطنهم ولا بقضاياهم، في مشهد يجسد حجم الكلفة الإنسانية التي يدفعها اليمنيون نتيجة استمرار الأزمات الداخلية وتنامي شبكات التجنيد والتهريب العابرة للحدود.
>
