من غذاء يومي إلى رفاهية.. تقرير يكشف أسباب ارتفاع أسعار السمك في عدن
الجنوب - منذ ساعة و 9 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
لم يكن أبناء عدن، المدينة التي عاشت قروناً على إيقاع البحر، يتخيلون يوماً أن تتحول الأسماك، التي شكلت لعقود طويلة الوجبة الأكثر حضوراً على موائدهم، إلى سلعة لا يستطيع كثير منهم شراءها إلا في المناسبات.
فالمدينة الساحلية التي تطل على واحد من أغنى السواحل اليمنية بالثروة السمكية، تواجه اليوم مفارقة صادمة، إذ ترتفع أسعار الأسماك إلى مستويات غير مسبوقة، بينما يزداد تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، لتتحول وجبة كانت توصف بأنها "غذاء الفقراء" إلى عبء جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات المعيشية.
وتشهد أسواق السمك في مدينة عدن هذه الأيام موجة ارتفاع جديدة، حيث بلغ سعر الكيلو الواحد من سمك "الثمد" نحو 16 ألف ريال، والسخلة نحو 20 ألف ريال، فيما وصل سمك الديرك إلى 24 ألف ريال، مع تسجيل بعض الأسواق أسعاراً أعلى لبعض الأصناف بحسب العرض والطلب.
من غذاء يومي إلى أمنية
داخل سوق السمك المركزي (صيرة) لم تعد شكوى المواطنين تدور حول جودة الأسماك أو تنوعها، بل حول قدرتهم على شرائها.
يقول عدد من المواطنين إن السمك كان يمثل "الأكلة الرسمية" لسكان عدن، وكانت معظم الأسر تعتمد عليه بشكل شبه يومي، إلا أن الأسعار الخيالية الحالية دفعت كثيراً منهم إلى الاستغناء عنه تماماً.
ويؤكد مواطنون أن ما يحدث يعكس خللاً واضحاً في إدارة سوق يفترض أنه يستفيد من ثروة بحرية محلية، متسائلين: كيف تصبح الأسماك باهظة الثمن في مدينة يحيط بها البحر من كل جانب؟!
لماذا ترتفع الأسعار؟
يرى مختصون وعاملون في القطاع السمكي أن الأزمة ليست وليدة سبب واحد، وإنما نتيجة تراكمات اقتصادية وإدارية ولوجستية، أسهمت جميعها في رفع تكلفة الإنتاج وتقليص المعروض.
أولاً: الوقود.. العبء الأكبر
يعد ارتفاع أسعار المشتقات النفطية من أبرز أسباب الأزمة، إذ تعتمد قوارب الصيد بصورة أساسية على الوقود لتشغيل محركاتها.
ويؤكد صيادون أن أي زيادة في أسعار الديزل أو البنزين تنعكس مباشرة على تكلفة رحلة الصيد، الأمر الذي يدفع التجار إلى تحميل المستهلك النهائي كامل الزيادة.
ثانياً: تهريب الإنتاج إلى الخارج
يشير عاملون في القطاع السمكي إلى استمرار خروج كميات كبيرة من الأسماك عبر محافظات أخرى باتجاه أسواق خارجية، خصوصاً إلى السعودية وسلطنة عمان، حيث تحقق أسعاراً أعلى بكثير.
ويؤدي ذلك إلى انخفاض الكميات المعروضة داخل الأسواق المحلية، ما يرفع الأسعار نتيجة اختلال العلاقة بين العرض والطلب.
ثالثاً: انهيار العملة وارتفاع تكاليف الصيد
لم يقتصر تأثير تراجع قيمة الريال اليمني على السلع الغذائية، بل امتد إلى قطاع الصيد أيضاً.
فمعدات الصيد، من شباك وخيوط وقطع غيار ومحركات، معظمها مستورد، ومع كل تراجع في قيمة العملة ترتفع أسعارها، الأمر الذي يزيد من كلفة الإنتاج ويضغط على الصيادين.
رابعاً: التقلبات المناخية
تتسبب مواسم الرياح وارتفاع الأمواج واضطراب البحر في تقليص أيام الصيد، ما يؤدي إلى انخفاض كميات الأسماك الواصلة إلى الأسواق، وبالتالي ارتفاع أسعارها.
خامساً: ضعف الرقابة
ويجمع مواطنون وتجار على أن غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق المركزية ومنافذ بيع الأسماك أوجد بيئة خصبة للمضاربات والاحتكار، في ظل غياب آليات واضحة لضبط الأسعار أو الحد من الممارسات التي تضر بالمستهلك.
أين دور الجهات المختصة؟
يطالب مواطنون بسرعة تدخل الجهات المعنية لوضع حلول عاجلة للأزمة، تبدأ بتشديد الرقابة على الأسواق، والحد من الاحتكار والمضاربة، وتنظيم عمليات التصدير بما يضمن توفير احتياجات السوق المحلية أولاً، إضافة إلى دعم الصيادين وتخفيف تكاليف الوقود ومستلزمات الصيد.
كما يؤكدون أن الحفاظ على استقرار أسعار الأسماك لا يخدم المستهلك وحده، بل يحمي الصيادين والباعة ويضمن استدامة هذا القطاع الحيوي الذي يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية لعدن واليمن عموماً.
بين البحر والموائد.. مفارقة مؤلمة
المفارقة الأكثر قسوة أن مدينة تحيط بها المياه من كل اتجاه، وتملك واحدة من أهم الثروات البحرية في المنطقة، أصبحت عاجزة عن توفير السمك بأسعار تناسب سكانها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتحرك الجهات المختصة لإنقاذ سوق الأسماك وإعادة هذه الثروة إلى موائد المواطنين، أم سيظل السمك في عدن سلعة للأثرياء، بينما يكتفي أبناء المدينة بالنظر إلى البحر الذي لم يعد قادراً على إطعامهم؟
>
