تسير المملكة العربية السعودية بخطوات متسارعة نحو بناء منظومة ردع إقليمية جديدة، في تحول يعكس انتقالها من سياسة الدفاع التقليدي إلى استراتيجية تقوم على الشراكات العسكرية والتحالفات متعددة الأطراف، بهدف حماية أمنها الوطني وتأمين الممرات البحرية الحيوية في مواجهة التهديدات المتصاعدة التي تمثلها مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
وجاء توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة، تتويجًا لهذا التوجه، إذ حملت الاتفاقية أبعادًا تتجاوز إطار التعاون العسكري التقليدي، لتؤسس لمفهوم دفاع جماعي ينص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً على الجميع، مع تعزيز التنسيق العسكري، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتبادل الخبرات، وتوسيع مجالات التعاون الأمني.
ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة فقط من إعلان الرياض تشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يضم 13 دولة، بهدف حماية الملاحة الدولية وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا غير مسبوق في الهجمات التي تستهدف السفن التجارية وناقلات النفط.
مرحلة جديدة بعد عقد من الحرب
مع إعلان هذه التحالفات والإتفاقيات تدخل المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة في مقاربة التحديات الأمنية التي تواجهها، بعد أكثر من أحد عشر عامًا على انطلاق تحالف دعم الشرعية في اليمن، إذ تشير التحركات الأخيرة إلى انتقال الرياض من قيادة عمليات عسكرية تستهدف استعادة الدولة اليمنية إلى بناء شبكة تحالفات دفاعية إقليمية ودولية تسعى إلى ردع مصادر التهديد قبل وصولها إلى حدود المملكة أو الممرات البحرية الحيوية.
ففي وقت تتواصل فيه الهجمات الحوثية على المدن اليمنية والسفن التجارية والمنشآت المرتبطة بأمن الطاقة، جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب إطلاق التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة الرياض، لتكشف عن تحول استراتيجي في العقيدة الأمنية السعودية، يقوم على توسيع دائرة الردع وإشراك شركاء إقليميين ودوليين في حماية الأمن الجماعي.
فعندما أطلقت السعودية في مارس/آذار 2015 تحالف دعم الشرعية في اليمن، كان الهدف الرئيسي يتمثل في دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ومنع سيطرة الحوثيين على كامل البلاد، بعد انقلابهم على مؤسسات الدولة وتمدّدهم نحو المحافظات الجنوبية وتهديدهم المباشر للحدود السعودية.
ولكن عقب إحراز تقدمات عسكرية واسعة في الجنوب والشمال والغرب وقرب تحرير صنعاء والحديدة، تراجعت هذه التقدمات تحت مسمى اتفاقيات التهدئة وخارطة طريق السلام برعاية الأممي المتحدة وهو ما أعطى الميليشيات الحوثية فرصة لترتيب بيتها الداخلي وتعزيز نفوذها وتطوير قدراتها الصاروخية والمسيرات بدعم إيراني كبير.
واليوم تركز الإدارة السعودية على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتطوير منظوماتها الجوية لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، غير أن تطور طبيعة التهديدات، واتساع نطاق الهجمات لتشمل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، دفع الرياض إلى إعادة تقييم أدوات المواجهة. خصوصًا وأن التهديد الحوثي كان في السابق أزمة يمنية فحسب، وفي الحاضر بات يمثل تحديًا لأمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها اقتصادات العالم.
رسالة مباشرة للحوثيين
ما يجري لا يقتصر على توقيع اتفاقيات أو الإعلان عن تحالفات جديدة، بل يمثل تحولًا نوعيًا في العقيدة الأمنية السعودية، التي باتت تعتمد على بناء منظومة ردع جماعية تجعل أي اعتداء على المصالح السعودية أو على أمن الملاحة الدولية مواجهة مع شبكة واسعة من الدول، وليس مع المملكة وحدها.
وخلال السنوات الماضية، اعتمدت الرياض بصورة رئيسية على تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وشركائها التقليديين، إلا أن التهديدات المتكررة التي طالت المنشآت النفطية والسفن التجارية دفعت إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على تقاسم مسؤولية الأمن مع شركاء إقليميين ودوليين، بما يزيد من كلفة أي تصعيد عسكري.
ويعكس الإسراع في تنفيذ خطوات التحالف البحري هذا التوجه، إذ سارعت السعودية إلى تعيين اللواء البحري الركن عبد الله بن سالم الشهري قائدًا للتحالف بعد فترة وجيزة من الإعلان عنه، في خطوة تشير إلى أن المشروع تجاوز مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة البناء المؤسسي ووضع هياكل القيادة والتنسيق العملياتي.
تأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، بعد إعلان الحوثيين في يوليو الماضي ما سموه "حظر الملاحة السعودية"، وإطلاق سلسلة من الهجمات على ناقلات نفط وسفن تجارية مرتبطة بالمملكة، إضافة إلى استمرار استهداف المدن السعودية والمنشآت المدنية والعسكرية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويرى محللون أن التحالفات الجديدة تحمل رسالة واضحة للحوثيين مفادها أن استهداف الملاحة الدولية أو المنشآت الحيوية لم يعد يمثل مواجهة ثنائية مع السعودية، بل أصبح تهديدًا لمنظومة أمن جماعي تضم عددًا متزايدًا من الدول ذات المصالح المشتركة في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن شأن هذا التحول أن يرفع الكلفة السياسية والعسكرية للهجمات الحوثية، ويحد من قدرة الجماعة على استخدام البحر الأحمر وباب المندب كورقة ضغط، خاصة مع اتساع دائرة الدول المنخرطة في حماية تلك الممرات الاستراتيجية.
إيران في قلب الرسائل السياسية
ولا تقتصر الرسائل على الحوثيين، إذ يرى مراقبون أن طهران تمثل الطرف المقصود بصورة غير مباشرة بهذه التحالفات، في ظل الاتهامات المتكررة لإيران بتقديم الدعم العسكري والتقني للحوثيين، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استخدمت في استهداف منشآت الطاقة والملاحة الدولية.
وبحسب تقديرات سياسية، فإن الرياض تسعى إلى إبلاغ إيران بأن أي تصعيد عبر وكلائها لن يبقى شأنًا محليًا، بل سيواجه باصطفاف دفاعي أوسع، يضم قوى إقليمية تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، الأمر الذي يرفع تكلفة استخدام الورقة الحوثية في إدارة الصراع الإقليمي.
كما أن انضمام دولتين بحجم تركيا وباكستان إلى اتفاقية الدفاع المشترك يمنح المبادرة السعودية بعدًا سياسيًا وعسكريًا أكبر، خصوصًا في ظل ما تمتلكه الدولتان من جيوش كبيرة وخبرات متقدمة في مجالات الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والقوات البحرية.
ويؤكد مراقبون أن التحالف البحري السعودي لا يهدف فقط إلى حماية المصالح الوطنية للمملكة، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
فهذا الممر البحري يشهد مرور نسبة كبيرة من تجارة العالم وإمدادات النفط والغاز، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى دعم المبادرة السعودية والانخراط في جهود حماية الملاحة.
ومن المتوقع أن تركز مهام التحالف في مرحلته الأولى على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الدوريات البحرية، وتشغيل منظومات الإنذار المبكر، وتأمين السفن التجارية، واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام تطوير قواعد الاشتباك إذا استمرت التهديدات أو تصاعدت.
ورغم الزخم السياسي الذي رافق الإعلان عن التحالفات الجديدة، فإن نجاحها سيظل مرتبطًا بقدرتها على التحول من إطار سياسي إلى منظومة عملياتية فعالة تمتلك قيادة موحدة وآليات لاتخاذ القرار وتنفيذ المهام المشتركة.
وتدرك الرياض أهمية هذا التحدي، خاصة في ضوء تجارب سابقة لتحالفات إقليمية لم تحقق أهدافها العملياتية بالشكل المأمول، وهو ما يفسر حرصها على الإسراع في استكمال البنية المؤسسية للتحالف البحري، وفتح الباب أمام انضمام دول جديدة، بما يعزز من قدرته على الاستمرار والتوسع.
ويرى محللون أن التحركات السعودية الأخيرة لا تستهدف فقط احتواء التهديدات الحالية، وإنما تؤسس لمرحلة جديدة من التوازنات الأمنية في المنطقة، يكون فيها أمن البحر الأحمر والخليج العربي جزءًا من منظومة دفاع جماعي، بما يقلص هامش المناورة أمام الحوثيين، ويبعث برسالة واضحة إلى إيران بأن معادلات الأمن الإقليمي تشهد إعادة تشكيل قد تفرض واقعًا جديدًا في السنوات المقبلة.


>