لا تبدأ معركة تأمين الساحل الغربي عند حدود المياه الإقليمية، ولا تنتهي عند مراقبة حركة السفن في البحر الأحمر، بل تمتد من خطوط التماس والمواقع البرية إلى الشريط الساحلي والممرات البحرية، في معادلة أمنية متكاملة تفرضها طبيعة الجغرافيا التي تجعل من المناطق المحررة في الساحل الغربي خط دفاع متقدماً عن الملاحة الدولية ومضيق باب المندب.
وفي هذا السياق، تواصل قوات المقاومة الوطنية عملياتها الميدانية لتثبيت الأمن في المناطق المحررة، عبر التصدي للهجمات الحوثية ومحاولات التسلل، وإسكات مصادر النيران، واستهداف المواقع والتحصينات التي تستخدمها ميليشيا الحوثي الإرهابية لتهديد السكان والقوات، أو تحويلها إلى منصات لشن هجمات يمكن أن تمتد تداعياتها إلى البحر الأحمر والملاحة الدولية.
وتبرز أحدث هذه النجاحات في العملية التي أحبطت خلالها قوات المقاومة الوطنية، مساء الجمعة، محاولة لاستهداف سفينة نفطية بزورق مفخخ، بعدما رصدت الدوريات البحرية زورقاً يقترب من ساحل محطة كهرباء المخا.
واتخذت الوحدات البحرية الإجراءات اللازمة للتعامل مع التهديد، قبل أن ينفجر الزورق خارج المنطقة المحظورة، ما حال دون وصوله إلى هدفه، في حادثة تؤكد أهمية الرصد المبكر والجاهزية الميدانية في منع الهجمات البحرية قبل تحولها إلى خطر مباشر على السفن والمنشآت الساحلية.
وأعلن الإعلام العسكري أن القوات تواصل فحص بقايا الزورق وآثاره في المنطقة المحيطة بالانفجار، تمهيداً لإعلان نتائج التحقيق، مؤكداً أن جميع وحدات المقاومة الوطنية في جاهزية عالية للتعامل مع أي تهديد.
الأمن يبدأ من البر
تكشف العمليات المتواصلة في الساحل الغربي أن حماية البحر الأحمر لا يمكن فصلها عن السيطرة الأمنية والعسكرية على الأرض، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط الملاحة الدولية. فالمواقع المرتفعة والتحصينات الحوثية القريبة من الساحل تمثل، في حال استمرار سيطرة الميليشيا عليها وامتلاكها الوسائل العسكرية المناسبة، نقاطاً محتملة لمراقبة حركة السفن أو إطلاق النيران أو دعم عمليات التهريب ونقل الأسلحة والمعدات.
ومن هنا، فإن التصدي للهجمات الحوثية على الجبهات البرية لا يمثل مجرد مواجهة عسكرية داخلية، وإنما يشكل جزءاً من منظومة أوسع لحماية الساحل والممرات البحرية، من خلال حرمان الميليشيا من المواقع التي يمكن استخدامها مستقبلاً كمنصات لتهديد السفن أو المنشآت الحيوية.
ومؤخرًا دكت المقاومة الوطنية مراكز قيادة وسيطرة وتحصينات وتجمعات لمليشيا الحوثي الإرهابية جنوب الحديدة، ردًا على تصعيدها في جبهات مأرب وحضرموت وحركة الملاحة في المياه الإقليمية اليمنية قبالة سواحل المخا.
وأفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية أنه تم رصد أهداف ذات قيمة عسكرية وتحركات مكثفة لمليشيا الحوثي المدعومة من النظام الإيراني في عدة مناطق قريبة من خطوط التماس بمحور الحديدة، وتم التعامل معها بقوة وحزم. موضحًا أن مدفعية المقاومة الوطنية وجهت ضربات مركزة على الأهداف المرصودة، مؤكدًا تحقيق إصابات مباشرة في مراكز قيادة وسيطرة وتحصينات وتجمعات، وتكبيد المليشيا خسائر بشرية ومادية.
وخلال الفترة الماضية، تمكنت قوات المقاومة الوطنية من إحباط محاولات هجومية وتسللات حوثية باتجاه مواقعها في جبهات الساحل الغربي، بالتزامن مع عمليات استهداف لمصادر النيران والمواقع التي تنطلق منها الهجمات. وتقوم هذه المعادلة على التعامل مع التهديد قبل وصوله إلى المناطق الآمنة، بدلاً من انتظار تحوله إلى هجوم واسع يستهدف السكان أو القوات أو خطوط الإمداد.
إسكات مصادر النيران.. حماية للسكان والجبهات
ويعد تحييد مصادر النيران الحوثية أحد أبرز أوجه النجاح الميداني لقوات المقاومة الوطنية، خصوصاً عندما تستخدم الميليشيا القصف المدفعي والصاروخي لاستهداف المناطق المحررة والتجمعات السكانية. فإسكات الموقع الذي تنطلق منه النيران لا يحقق هدفاً عسكرياً فحسب، بل ينعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين، من خلال تقليص احتمالات سقوط الضحايا وحماية القرى والتجمعات السكانية من القصف المتكرر.
كما أن الحد من قدرة الحوثيين على استخدام مواقعهم المتقدمة لقصف المناطق المحررة يقلص قدرتهم على استنزاف القوات وتهديد خطوط الإمداد، ويجعل محاولات التصعيد أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق مكاسب ميدانية.
وفي هذا الإطار، تتحول عمليات الرصد والاستطلاع والاستجابة السريعة إلى أدوات أساسية في منع الميليشيا من فرض معادلة تقوم على إبقاء السكان والقوات تحت تهديد مستمر. ولا يقتصر التهديد الحوثي على القصف من مسافات بعيدة، إذ تمثل محاولات التسلل والاقتراب من مواقع القوات والمناطق السكنية أحد الأساليب التي تستخدمها الميليشيا لاختبار خطوط الدفاع والبحث عن ثغرات يمكن استغلالها في تنفيذ هجمات أكبر.
وتتعامل قوات المقاومة الوطنية مع هذه المحاولات من خلال المراقبة والاستطلاع والانتشار الميداني، بما يحول دون تحقيق اختراقات قد تسمح للحوثيين بنقل المعركة من خطوط التماس إلى المناطق المحررة. ويكتسب إفشال عمليات التسلل أهمية مضاعفة، لأنه يحرم الميليشيا من تحقيق مكاسب ميدانية عبر الهجمات المباغتة، ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار المناطق التي خرجت من دائرة سيطرتها.
كما أن استمرار السيطرة على خطوط التماس ومنع التسللات يحد من قدرة الحوثيين على إعادة التموضع أو إنشاء نقاط متقدمة جديدة يمكن استخدامها لاستهداف القوات أو المدنيين أو تهديد الطريق الساحلي.
تحييد المواقع الحوثية.. حماية غير مباشرة للملاحة
تتضح العلاقة بين الجبهة البرية والأمن البحري بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة الساحل الغربي، حيث تتقارب مناطق العمليات العسكرية مع أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فكل موقع حوثي قريب من الساحل يمكن أن يمثل، في حال تطوير قدراته، خطراً محتملاً على حركة السفن، سواء من خلال المراقبة أو إطلاق المقذوفات أو دعم عمليات التهريب والإمداد.
ولهذا، فإن استهداف التحصينات والمواقع العسكرية الحوثية وتحييد مصادر النيران يمثل جزءاً من معركة منع استخدام الأراضي اليمنية المطلة على البحر الأحمر كمنصات لتهديد الملاحة. وبعبارة أخرى، فإن حماية السفن تبدأ قبل وصول الخطر إلى البحر؛ إذ تبدأ من منع الميليشيا من امتلاك القدرة على استخدام المواقع الساحلية والمرتفعات المطلة على خطوط الملاحة.
وفي موازاة العمليات البرية، تؤدي الوحدات البحرية وخفر السواحل التابعة للمقاومة الوطنية دوراً متزايداً في مراقبة المياه والتعامل مع التهديدات التي تستهدف السفن والمنشآت الساحلية.
وتبرز عملية إحباط استهداف السفينة النفطية بزورق مفخخ مثالاً على أهمية هذا الدور، بعدما تمكنت الدوريات من رصد الزورق قبل وصوله إلى المنطقة المحظورة، والتعامل معه قبل أن يتمكن من الاقتراب من هدفه.
ولا تقتصر المهام البحرية على مواجهة الهجمات، بل تشمل أيضاً التعامل مع حوادث الطوارئ والإنقاذ البحري، بما يعزز أمن الأرواح والسفن في منطقة تتعرض لضغوط متزايدة نتيجة الهجمات الحوثية.
وفي إحدى العمليات الأخيرة، تمكنت القوات البحرية وخفر السواحل من إجلاء طاقم سفينة الشحن الهندية "فايزي نوري أوليا" المكون من 14 بحاراً، بعد تعرض السفينة لهجوم بزورق مفخخ أدى إلى غرقها جنوب الحديدة، حيث جرى نقل أفراد الطاقم إلى مكان آمن وتقديم المساعدة الطبية واللوجستية لهم.
ويضاف ذلك إلى سجل من عمليات الإنقاذ البحري، شملت مهاجرين وصيادين وسفناً تجارية ويخوتاً تعرضت لأعطال أو حوادث في المياه القريبة من الساحل الغربي، بما يعكس اتساع نطاق المهمة من العمل الأمني إلى حماية الأرواح والحفاظ على سلامة الحركة البحرية.
مواجهة التهريب.. قطع شريان الإمداد الحوثي
ويمثل التصدي لعمليات تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية أحد أهم أوجه المعركة البحرية، بالنظر إلى ارتباط قدرات الحوثيين الهجومية باستمرار تدفق الإمدادات الخارجية.
وقد شكلت عمليات اعتراض شحنات الأسلحة الإيرانية، وفق ما أعلنته الجهات المعنية خلال السنوات الماضية، ضربة لشبكات الإمداد التي تسعى إلى إيصال تقنيات ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، خصوصاً تلك المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية.
وتكتسب هذه العمليات أهمية تتجاوز حدود اليمن، لأن الأسلحة التي تصل إلى الحوثيين يمكن أن تتحول لاحقاً إلى أدوات لتهديد السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وباب المندب. ومن ثم، فإن منع وصول هذه الشحنات لا يمثل فقط نجاحاً في مكافحة التهريب، بل يسهم بصورة مباشرة في تقليص قدرة الميليشيا على تنفيذ هجمات بحرية جديدة.
تفرض جغرافيا الساحل الغربي على القوات المنتشرة فيه مسؤولية تتجاوز حماية المناطق المحررة، بالنظر إلى قربها من خطوط الملاحة الدولية التي تمر عبر البحر الأحمر وباب المندب. وأي اضطراب أمني في هذه المنطقة يمكن أن يتجاوز تأثيره حدود الجبهة اليمنية، ليطال حركة السفن التجارية وناقلات النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
إن نجاح المقاومة الوطنية في تأمين المناطق المحررة وإحباط الهجمات والتسللات وتحييد مصادر النيران والمواقع العسكرية الحوثية يمثل عاملاً مساعداً في تقليص المخاطر التي يمكن أن تصل إلى البحر. وتصبح العمليات البرية والبحرية جزءاً من معركة واحدة، لا تفصل بين حماية الأرض وحماية البحر، بل تربطهما ضمن منظومة أمنية متكاملة.
معادلة متكاملة لتحييد الخطر
تكشف مجمل العمليات الميدانية أن قوات المقاومة الوطنية تتعامل مع التهديد الحوثي باعتباره منظومة مترابطة، تبدأ من التسلل والقصف والتحصينات على الأرض، وتمتد إلى التهريب والعمليات البحرية وتهديد السفن.
وتقوم هذه المعادلة على تحييد الخطر في مراحله الأولى: منع التسلل قبل أن يتحول إلى اختراق، إسكات مصدر النيران قبل وصول القذائف إلى المناطق السكنية، استهداف التحصينات التي يمكن أن تستخدم لتوسيع نطاق الهجمات، واعتراض التهديدات البحرية قبل وصولها إلى السفن.
وتكمن أهمية هذا النهج في أنه لا ينتظر وقوع الهجوم حتى يبدأ التعامل معه، وإنما يعتمد على الرصد والجاهزية والاستجابة السريعة، بما يقلص مساحة المناورة أمام الميليشيا ويحد من قدرتها على فرض وقائع جديدة على الأرض أو البحر.
إن نجاحات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي لا تختزل في إحباط هجوم بزورق مفخخ أو إفشال محاولة تسلل أو استهداف موقع عسكري، وإنما تتشكل من سلسلة متكاملة من الإجراءات التي تستهدف مصادر الخطر قبل وصولها إلى السكان أو السفن.
فالقوات البرية تؤمن خطوط التماس وتمنع التسلل وتسكت مصادر النيران، بينما تعمل الوحدات البحرية وخفر السواحل على مراقبة الساحل والتعامل مع التهديدات البحرية وإنقاذ الأرواح ومواجهة التهريب. وتعزز هذه العمليات من قدرة المناطق المحررة على الحفاظ على استقرارها، وتحرم ميليشيا الحوثي من استخدام الجغرافيا الساحلية كمساحة للمناورة أو منصة لتهديد الملاحة الدولية.
وفي ظل استمرار الحوثيين في تطوير أساليب الهجوم والتهريب، تكتسب هذه النجاحات أهمية إضافية، لأنها تعكس قدرة القوات المحلية على التعامل مع التهديدات المتعددة، وتؤكد أن حماية البحر الأحمر لا يمكن أن تنفصل عن تأمين الساحل والبر.
وتتحول معركة الساحل الغربي من مواجهة تقليدية على خطوط التماس إلى معركة أمنية أوسع تبدأ من الأرض وتمتد إلى البحر؛ تأمين المناطق المحررة، وإفشال التسلل، وإسكات مصادر النيران، وتحييد التحصينات، وقطع خطوط التهريب، ومراقبة الساحل وإحباط الهجمات البحرية، كلها حلقات في منظومة واحدة هدفها حماية السكان والقوات والممرات البحرية في آن واحد.
ومع استمرار التهديد الحوثي للملاحة، فإن الحفاظ على أمن الساحل الغربي لا يمثل مصلحة يمنية محلية فحسب، بل يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وسلامة حركة التجارة الدولية، ما يجعل نجاح القوات المنتشرة على الساحل في منع تحول المناطق القريبة من البحر إلى منصات للهجمات والتهريب جزءاً من معركة أوسع لحماية الأمن الإقليمي والدولي.


>