فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

اختلال التوازن السياسي في عهد عثمان.. القبيلة السياسية فوق الخلافة الإسلامية

الأربعاء 13 أبريل 2022 الساعة 10:38 م

لم يمت عمر حتى ملته قريش! هكذا تقول كتب التاريخ الإسلامي، وتضيف بعضها بالقول حتى ملته وكرهته، كما يروى عن الشعبي في عدد من المصادر، لكن مجرد التأمل في مدلول هذه المقولة وأبعادها السياسية يعني أن موت عمر شكل نقطة مفصلية وهامة في حسابات قريش (القبيلة السياسية) وحتى في فلسفة المال التي ظهرت بعد مقتله، ناهيك عن المال العام الذي تحول بعد ذلك إلى مال سياسي يستقطب الولاءات السياسية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن العمل بقاعدة تسليم سلطة الخلافة الإسلامية لهذا الحي من قريش التي ارتبطت قبل نزول الإسلام بالمخيال الديني لدى قبائل العرب بكونها القبيلة التي يشار إليها بأهل الحرم، وفي نفس الوقت منع قريش من أن تتحول إلى قبيلة سياسية نافذة فوق سلطة الخلافة الإسلامية لم يكن أي هذا التوازن يعود إلى امتلاك الخلافة الإسلامية كنظام سياسي في عهد الراشدين مؤسسات سياسية ناظمة وقائمة على فكرة الشورى الإسلامية، بقدر ما كان ذلك يعود إلى مكامن القوة الذاتية المرتبطة بشخصية أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب، اللذين قدما نفسيهما بعد موت الرسول خليفتين للمسلمين وفي نفس الوقت قادة لمشروع رسالة سماوية عادلة، أكثر من كونهما خليفتين ينتميان لهذا الحي من قريش، لهذا نجد عمر أثناء خلافته عمل على منع نخبة قريش من مغادرة المدينة والانتقال إلى أماكن أخرى للعيش أو حتى للجهاد، حتى لا تفسدهم الدنيا عن الآخرة وهو الخبير في طموحاتهم، كما يفهم من قوله «ما لي وقريش فإني لماسك بحلاقيمهم خوفاً من أن يتهافتون في النار» بمعنى أرادهم أن يظلوا في جواره قدوة ورموزا لمشروع الرسالة الإسلامية. 

بدون شك موت عمر بن الخطاب أو مقتله كان شيئا مرتقب الحدوث وفق حسابات سياسية لدى النخبة الطامحة في قريش أكثر من أي شيء آخر، فالخليفة عمر كان خليفة راشدا في خلافته وعادلا في حكمه حتى مع نفسه وذويه، والعوام من الناس لا تمل العدل ولا تكره الحاكم العادل، بل تدعو له بطول العمر، ما يعني أن قريش القبيلة السياسية هي التي كرهت خلافة عمر بن الخطاب وملتها لأنها لم تستطع أن تخترق موانع سلطته الراشدة وتتحول في حياته إلى سلطة فوق سلطة الخلافة الإسلامية. 

إذن المسألة السياسية وحدها القادرة على تقديم تفسير مقبول ومنطقي لنا بخصوص مقولة لم يمت عمر «الخلفية العادل» حتى ملته قريش وكرهته، لهذا فإن العقل الباحث دائماً ما يضع علامة استفهام عريضة على دوافع اغتيال الخليفة عمر، فهل كان على سبيل المثال دافع أبو لؤلؤة المجوسي، كما يقال، هو الانتقام من الخليفة عمر الذي تم في عهده سقوط الإمبراطورية الفارسية؟ أي دافع خارجي محض؟ أم أن في الأمر توظيفا سياسيا داخليا استغل نزق هذا القاتل بهدف تغيير المشهد السياسي في الداخل؟ أي التخلص من عمر الذي أصبح بذاته وشخصه وصفاته القيادية عائقا أمام تحقيق الطموحات السياسية لقريش القبيلة السياسية؟

على كل حال، قتل الخليفة عمر وتسلم عثمان بن عفان، رضي الله عنه، مقاليد سلطة الخلافة الإسلامية، لكن الملاحظ أن مقتل الخليفة عمر لم يتوقف عند حد الانتقام من خليفة أسقط ملك فارس بل تعدى ذلك إلى تغيير المشهد السياسي والإداري والمالي على مستوى الداخل الإسلامي، فالخليفة عثمان يفتقد للكثير أو حتى للحد الأدنى مما كان لدى عمر فيما يتعلق بالقدرة والصرامة في إدارة شؤون سلطة الخلافة الإسلامية لا سيما على المستوى السياسي والمالي (المال العام) ومن يرد أن يتوسع في ذلك فعليه أن يقرأ كتاب العدالة الاجتماعية لسيد قطب، أقول لسيد قطب المعروف في توجهه وفكره ولا أقول لأحد من الكتاب الليبراليين أو اليساريين أو حتى العلمانيين الذين يسهل الطعن في كتاباتهم بتهمة التحامل على تاريخ الخلافة الإسلامية، أو تاريخ الإسلام.

استطاعت قريش في الست السنوات الأولى من عهد الخليفة عثمان بن عفان أن تخترق سياج الممنوعات تجاه سلطة الخلافة الإسلامية عن طريق حصولها على زمام الثروة المؤثرة في القرار السياسي، بحيث استغلت في سبيل الحصول على ذلك فلسفة الخليفة عثمان تجاه المال العام وحق الخليفة في توزيعه لمن يشاء دون تدخل، على حد قوله، الأمر الذي مكن قريش «التاريخية» من بعد هذه السنوات الست من أن تتحول إلى قبيلة سياسية مهيمنة ونافذة سياسياً فوق سلطة الخلافة الإسلامية الراشدة، لا سيما بني أمية الذين دفعوا بشيخهم الكبير مروان بن الحكم (طريد رسول الله) إلى موقع مستشار أول للخليفة عثمان، ثم ما لبث أن تحول مروان بن الحكم (طريد رسول الله وعراب القبيلة السياسية) من موقعه السياسي في عهد الخليفة عثمان إلى حصان طروادة القرشي، الذي امتطت به القبيلة السياسية (الفرع الأموي على وجه التحديد) مفاصل السلطة على حساب فكرة الخلافة الإسلامية الراشدة. 

على إثر ذلك التحول شهد المجال السياسي العام داخل المدينة أول احتكاك سياسي مباشر بين نخبة القبيلة السياسية التي وجد الخليفة عثمان نفسه يمثلها أو يتماهى مع مطالبها بحكم عاطفة القرابة لديه وبحكم افتقاده لما كان موجودا في شخصية عمر وأبو بكر، وبين نخبة من الصحابة الكرام على رأسهم أبو ذر وعمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود، هذا من جهة، ومن جهة ثانية شهد المجال السياسي العام خارج فضاء المدينة صراعا بين نخبة القبيلة السياسية القرشية ونخبة المجتمع المحلي في عدد من الأمصار العربية لا سيما بعد أن أصبح جل حكام الولايات في عهد عثمان من بني أمية، ويكفي في ذلك أن يطالع الإنسان جدولا مقارنا بين أسماء حكام الولايات في عهد عمر مع الأسماء في عهد عثمان ليدرك مدى سيطرة القبيلة السياسية «القرشية الأموية» على مفاصل سلطة الخلافة الإسلامية، وقد تولت نخبة الكوفة في العراق بواكير جدل الممانعة السياسية الأولى لهذا الزحف السياسي الأموي الذي بدأ في الواقع يعمل على إزاحة فكرة الخلافة الإسلامية بعد أن تم التخلص من رشدها المركزي في إدارة شؤون السلطة داخل المدينة وعلى وجه الخصوص عن طريق فلسفة المال العام التي انتهجها الخليفة عثمان بن عفان تحت سؤاله القائل في وجه الصحابة وإلا لماذا أنا خلفية عليكم؟