جلال محمد

جلال محمد

السلام مع الحوثي يحققه الميدان العسكري فقط

الجمعة 24 يونيو 2022 الساعة 10:46 ص

لا يُظهر النزاع في اليمن أي مؤشرات حقيقية على الانحسار رغم ما تعيشه من هدنة هشة بدأت في مطلع أبريل وتم تجديدها حتى بداية أغسطس 2022 برعاية أممية، وموافقة التحالف العربي والحكومة الشرعية التي تظهر التزامها ببنود تلك الهدنة، وقدمت تنازلات كثيرة في سبيل إنجاحها، إلا أن جماعة الحوثي ترفض حتى الساعة تنفيذ أهم البنود الخاصة بتخفيف وطأة المعاناة على المواطن اليمني والمتمثلة في فتح الطرقات وضمان حرية التنقل، بالإضافة إلى امتناعها صرف مرتبات الموظفين الحكوميين الواقعين في نطاق المحافظات التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية.

ثلاثة أشهر من الهدنة، وقبلها سبعة أعوام من الصراع الذي أطلقته جماعة الحوثي ضد الحكومة والشعب اليمني، وما آلت إليه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والسياسية في اليمن، لم يقدم فيها الحوثي أي تنازل من أجل الشعب، ولم يبد أي رغبة للحفاظ على ما تبقى من اليمن الممزق والمنهك بالصراعات، ليثبت بذلك أنه لا يمتلك ما يطالبه به العالم "ثقافة وقبول السلام"، ولا يريد أن يتخلق بها، فهو يرى نفسه فوق اليمنيين، ويعيش أوهام الاصطفاء التي تخيل له أنه يتلقى فروض الولاء والطاعة ولا يحق لأحد مطالبته بسلام أو تشارك في السلطة، أو حتى التعايش السلمي.

يعتقد الحوثي أنه أقلية متمايزة من غيرها، بمعنى أنه يندرج ضمن مفهوم سيطرة الأقلية، وهيمنتها الكلية دون شريك أو منازع. وهذا الادعاء المتعجرف لا يريد مساواته مع الآخرين، فهو يَدَّعِي لنفسه، أو لفئته، الحق الوحيد بالحكم، وما يمنحه حق التحكم بالأكثرية، ويشرع له كل أشكال الاضطهاد والقسر، والاستيلاء على مصادر الثروة والسلطة، فكيف نطلب منه الموافقة على الاعتراف ببقية الأطراف اليمنية، والجلوس معهم على طاولة حوار تفضي إلى السلام، وتحقق الاستقرار لليمن.

ثماني سنوات والنخب السياسية اليمنية، وحتى دول الإقليم والمجتمع الدولي يراهنون على حالة تعقل حوثية، وينتظرون موافقته للقبول بصيغة سلام يتفق عليها اليمنيون، غير مدركين أو في الحقيقة متغافلين تماماً عن حقيقة أثبتتها الأيام، بأن الطريقة الوحيدة للتوصل إلى اتفاق سياسي أفضل مع الحوثيين هي إضعافهم، إن لم يكن كسرهم وسحقهم عسكرياً، خصوصاً وأن الحوثيين يمتلكون سجلاً مخادعاً، وكل ما يقوم به من حوارات أو نقاشات ما هي إلا حيلة لكسب الوقت والاستعداد بصورة أفضل والتحشيد بشكل أوسع لتفجير الأوضاع من جديد، وتحقيق توسع أكثر على الأرض.

ستبقى كل جهود السلام عبثية لا تلقى أذنا صاغية لدى الحوثي ما لم يكن في الموقف الأضعف، ومهما قدمت الشرعية والتحالف من تنازلات سيجد ألف حجة وسبب للتهرب من استحقاقات السلام، وسيرفع من سقف مطالبه أو وفقاً للأوامر القادمة إليه من طهران. 

إن أي سلام يتم التفاوض عليه لا يعيد لليمنيين كرامتهم، ودولتهم ومؤسساتهم الحكومية، ويضمن لهم جميعاً العدالة والمساواة أمام القانون، ويعزز من حقوقهم المدنية والديمقراطية والسياسية والتي لأجلها رفضوا المنهجية الحوثية ونهجهم المتشدد تجاه القيادة والنسب و"الحق الإلهي" والتي تهدد بتقويض مبادئ الجمهورية، كل ذلك من شأنه أن يوسع دائرة الصراع بدلاً من إنهائه.