عبدالستار سيف الشميريعبدالستار سيف الشميري

قصة ثلاثة..

مقالات

2019-07-25 21:57:43

محمد، وريهام، وعائدة
روح تعز، ومن حملوا رسالتها إلى الله، بتفاصيلها الحزينة وبوجعها وصمتها وصمودها.. ذهبوا هناك كي يقوموا بمرافعة أمام العدل العادل. يحملون من البراهين والتفاني ما يكفي لتنزل بركات الرحمة واليقين لمدينة اختارت لنفسها السلام
واختاروا لها الحرب.

ذهبوا ثلاثتهم دون موعد، ودون مقدمات أو إشعار، ذهبوا كي يشكوا غدر الأرض وخذلان السماء..

لقد اختزل محمد القدسي، وريهام بدر، وعائدة العبسي، روح المقاومة في أبهى صورها التي يمكن أن تكون..

لن نستطيع أن نفيهم حقهم، ولوسطرنا القصائد والأغنيات.

قرأت منذ فترة قصة ثلاثة فدائيين: فلسطيني، وسوري، وعراقي.. تغنت بهم السيدة فيروز في أغنية: "وحدهن بيبقوا مثل زهر البيلسان".. من كلمات الشاعر الرائع طلال حيدر وألحان زياد الرحباني..
والرحباني الملحن هو من سرد هذه القصة قائلاً:

اعتاد الشاعر طلال حيدر شُرب فنجان قهوته الصباحي والمسائي على شرفة منزله المطلّة على غابة تقع على مقربة من منزله..

مرّت فترة من الزمن عندما كان طلال حيدر يشرب قهوته الصباحيّة، وهو يلاحظ دخول ثلاثة شبان إلى الغابة في الصباح، وخروجهم منها مساءً، وكلّما دخلوا وخرجوا سلّموا على طلال.

وكان هو يتساءل: ماذا يفعل هؤلاء الشبان داخل الغابة من الصباح إلى المساء؟

إلى أن أتى اليوم الذي ألقى الشبان التحية على طلال حيدر في الصباح ودخلوا الغابة، وفي المساء خرج طلال حيدر ليشرب قهوته لكنه لم يرَ الشبان يخرجون، فانتظرهم لكنهم لم يخرجوا، فقلق عليهم، إلى أن وصله خبر يقول: إنّ ثلاثة شبّان قاموا بعملية فدائيّة وسط الكيان الصهيوني، وعندما شاهد صور الشبّان الثلاثة، فوجئ أنّ الشبان الذين استشهدوا هم أنفسهم الشبان الذين اعتاد أن يتلقى التحية منهم في الصباح والمساء.. فكتب قصيدته: 
وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان..
وحدهن بيقطفوا وراق الزمان،
بيسكروا الغابي،
بيظلهن متل الشتي يدقوا على بوابي،
على بوابي،
يا زمان..
يا عشب داشر فوق هالحيطان،
ضويت ورد الليل عكتابي،
برج الحمام مسور وعالي،
هج الحمام بقيت لحالي لحالي،
يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا،
صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا،
وحدن بيبقوا متل هالغيم العتيق،
وحدهن وجوهن وعتم الطريق،
عم يقطعوا الغابي،
وبإيدهن متل الشتي يدقوا البكي وهني على بوابي ..

وعُرفت تلك العملية بعملية الخالصة، التي نُفذت في مستوطنة كريات شمونة، شمال فلسطين المحتلة، في صباح 11 نيسان 1974، وكان أبطالها من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، وهم: الفلسطيني منير المغربي (أبو خالد)، والحلبي السوري أحمد الشيخ محمود، والعراقي ياسين موسى فزاع الحوزاني (أبو هادي)، والذين استشهدوا في تاريخ العملية..

إلى هنا قصة الثلاثه انتهت، لكن قصة ثلاثة تعز لم تنته..
لقد شكل محمد القدسي، الإعلامي الشاب والمصور الحاذق  والمقاوم الصابر النقي. وريهام بدر الإنسانة الشفافة الطموحة. وعائدة العبسي، الأم والمعنى والحنان والبذل والمخاطرة والتضحية التي يوارى جثمانها اليوم.. شكل ثلاثتهم ضمير تعز الذي يدفن كل يوم مع ألوف من أبناء تعز يشبهون الثلاثة..
 
إنها روح تعز الأصيلة، والمقاومة التي لطخها تجار الحرب وقدموا نموذجاً مشوهاً للمقاومة يحاول أن يخفي حقيقة النقاء المقاوم والذي مثله ثلاثي ضمير تعز الذي يجب أن نوثق لهم ولأمثالهم بعضاً مما قدموا ولا يعلمه الناس.

لا يعلم كثيرون أن عائدة العبسي في أول أيام المقاومة، ومع شح إمكانيات الذخيرة والسلاح كانت تهرِّب الذخيرة للمقاومين، وتخاطر وتمضي في الجبال، وتمر أحياناً على نقاط حوثية وبفدائية منقطعة النظير.

كنت أحد الذين نصحوها أن لا تغامر إلى هذا الحد، لكنها كانت تعود وتعود.. ولعائدة حكايات وروايات يعرفها الكثير ليس في حيز المقال مجال لذكرها اليوم. وقد نفعل ذلك في وقت لاحق تفصيلاً.

ومحمد القدسي، حكاية أخرى لا تشبهها حكاية سوى حكاية
الفدائيين في أغنية فيروز وحدهن. 

مما أتذكره في ليالي وأماسي محمد أنه كان معنا ليلة نزول الحوثيين إلى تعز، وكان نزولهم بالزي العسكري إلى الأمن المركزي..

بتنا تلك الليلة، وعددنا عشرة يومها، أمام بوابة الأمن المركزي
كي نشجع الشباب على التوافد.. كان محمد ممتلئاً بالحماس، وظل يناضل يوما بيوم بتحركه والكاميرا والقلم والجهد 
متنوع العطاء، تجده في كل عمل بصمته وسمته الهادئ
وبزياراته لمواقع المقاومة، وإقامة الدورات الإسعافية معنا في تكتل توق المستقل، لمواجهة كثافة جرحى الحرب في الحارات من المدنيين. 

لقد كان يقتطع من وقته في تغطية الجبهات لهذا الأمر، ويعود يلاحق النضال وكأنه المسؤول الوحيد في الأرض عن المقاومة.

شاب غمرته البساطة، يوم أن استشهد كنت في القاهرة
وأصابتني موجة اكتئاب حادة، وأمسكت بالقلم وكتبت قصيدة طويلة رثاء لمحمد، لكنني لم أنشرها إلى اليوم ومحتفظ بمسودتها، لأني كنت كلما أقرأها أشعر أنها لا تستطيع أن تقول شيئاً.. إ

نها لا تعبر عنه فأدسها بين الأوراق أو في الواتس وأعود ولا أقتنع أبداً بأن وجداني قادر عن قول شيء في شاب خلوق بسيط يحمل جسمه النحيل ما لا تطيقه الجبال، لذا أجلت النشر لأجل غير معلوم. 

إن لجاجة الكلام لا توفي هؤلاء شيئاً من حقهم لكنها عبرات نهون بها على النفوس ونعاود الذكرى فقط.

لقد عاش محمد حالماً ومضى ولم يكتمل الحلم، وهكذا هي الحرب تختار أطهر الناس لتعظم الفجيعة وتتمظهر بشاعة الحرب.

ومثل محمد وعائدة كانت ريهام البدر مثالاً لفتاة مكافحة متنوعة العطاء في الجانب الإنساني والحقوقي والإعلامي
لا تكل ولا تمل تحضر الفعاليات وتغطي الجبهات بشجاعة الخنساء، وفتوة خالد..
أي فتاة هذه التي تسطر حروف بكاء وهي تنعي الصحافي أسامة سلام.. واسامة هذا قصة أخرى يجب أن تحكى ممن كانوا قريبين منه.

لم تكن تعرف ريهام وهي تنعيه أنها بعد خمسة أيام أو أكثر تلحق به، لقد أبكت ريهام الكثيرين، بل بكت تعز لها كما أبكاها ذات يوم الطفل فريد. 

يبقى ثلاثة ضمير تعز 
الذين اوجعنا فراقهم،
شاهد أننا لن نهزم
ما دام فينا أمثالهم
مهما بدا الليل حالك
وإن غدا لناظره قريب
ويبقى ثلاثتهم
وحدهم مثل زهر البيلسان.

-->