مختار الدبابي
السعودية تحتوي التوتر مع الإمارات.. فهل تتوقف الحملة
لأول مرة تتحدث جهة رسمية سعودية عن الإمارات بعد التوتر الذي حصل بسبب التصعيد في اليمن وسيطرة الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة. وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يقول إن بلاده حريصة على علاقة قوية وإيجابية مع الإمارات، وأن “العلاقة مع دولة الإمارات ذات أهمية بالغة للاستقرار الإقليمي”. وهذا يعني أن السعودية الرسمية تريد تطويق التصعيد الإعلامي الذي تحركه جهة غير معلومة ضد الإمارات بسبب أزمة اليمن، وأن هذا القوس ينبغي إغلاقه حتى لا يحدث شرخا في علاقة مع جار وشريك استراتيجي.
يرسل تدخل وزير الخارجية إشارة واضحة إلى الجهة التي تحرك الحملة ضد الإمارات بأن تتوقف، وأن تفهم بأن الخلاف حول اليمن لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء للقيادة السعودية بالإساءة إلى الأشقاء فما بالك بجار وحليف وشريك استراتيجي مثل الإمارات التي كانت تقف جنبا إلى جنب مع المملكة في قضايا إقليمية متعددة بما في ذلك الملف مثار الاختلاف، أي اليمن، حيث قاد البلدات تحالف “دعم الشرعية” لهزيمة جماعة “أنصار الله” المرتبطة بإيران، وكان للإمارات دور مفصلي في هزيمة الحوثيين في المناطق الجنوبية باليمن، فيما تعثر التحالف المدعوم من السعودية في تحقيق اختراقات في العاصمة صنعاء شمالا.
كما كان للإمارات دور مفصلي في التصدّي لتنظيم القاعدة ومنعه من استغلال ظروف عدم الاستقرار للسيطرة على بعض المناطق مثلما فعل في المكلا مركز محافظة حضرموت التي طُرد منها لاحقا بجهد استثنائي إماراتي وبمشاركة قوات شكّلتها ودرّبتها الإمارات وأمدّتها بالوسائل الضرورية للقيام بعملها، وهو الجهد الذي أسس لاستقرار نفوذ “الشرعية” وتمدده ومهد لإنجاح مسار اتفاق الرياض في العام 2019.
لم يراجع الأمير فيصل بن فرحان، خلال المؤتمر الصحافي في وارسو الاثنين، موقف بلاده بشأن ما جرى في اليمن، وهذا منطقي لأنه لولا افتراق مقاربة البلدين للوضع ما حصلت الأزمة، لكن تأكيده الرسمي على أهمية العلاقة مع الإمارات يهدف إلى كف تأثيرات هذا الخلاف على العلاقة التاريخية بين الجارين، ما يعني أن الخلاف بشأن اليمن لا يبيح بالنسبة إلى الرياض تشويه الإمارات والمس من ثوابتها أو التعريض بقيادتها، وهذا هو موقف السعودية التاريخي، فهي تترفع دائما عن الخلافات ولا تنزل إلى مستوى الإساءات التي تستهدفها في قضايا سابقة كثيرة، فما بالك أن الجار الإماراتي قد لازم الصمت وتجنب أي استهداف للسعودية لا في تصريحات رسمية، ولا في وسائل إعلام حكومية أو مقربة من الدولة ومحسوبة عليها.
وكانت الإمارات قد أعلنت في بيان لها بتاريخ 30 ديسمبر – كانون الأول 2025 إنهاء “ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها”، وذلك ردا على أطلقتها شخصيات من “الشرعية” المقربة من الرياض تطالب بانسحاب الإمارات. وهدفت الخطوة الإماراتية إلى نزع فتيل التوتر ومنع التصعيد مع السعودية كونها الشقيقة الكبرى في الخليج، وتم تدعيم ذلك بقرار عدم الاشتباك الإعلامي مع السعودية.
وأكدت الإمارات في ذات البيان حرصها الدائم على أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، واحترامها الكامل لسيادتها وأمنها الوطني، ورفضها لأي أعمال من شأنها تهديد أمن المملكة أو أمن الإقليم، إيمانا منها أن “العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين تشكل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وأن دولة الإمارات تحرص دوما على التنسيق الكامل مع الأشقاء في المملكة”.
جاء كلام وزير الخارجية السعودي ليظهر أن الخطوة الإماراتية سحب ما تبقى من قوات في اليمن والهادفة إلى التهدئة قد حققت هدفها ولاقت صدى إيجابيا لدى الرياض حين قال “لقد قررت الإمارات الآن الانسحاب من اليمن، وأعتقد أنه إذا كان هذا هو الحال بالفعل، وإذا انسحبت الإمارات تماما من القضية اليمنية، فإن المملكة العربية السعودية ستتولى المسؤولية”.
وتابع “أعتقد أنّ هذا سيشكّل الأساس لضمان بقاء العلاقة مع الإمارات قوية واستمرارها في خدمة مصالح المنطقة وليس فقط البلدين”.
وفسح هذا الانسحاب المجال أمام السعودية لتنفيذ مقاربتها للتسوية السياسية في الجنوب والإعداد لمؤتمر حوار الجنوبي – الجنوبي دون معرقلات بما في ذلك من المجلس الانتقالي رغم بعض المظاهرات التي تعامل معها الإعلام السعودي على أنها ظاهرة صحية.
لقد ساعد الموقف الإماراتي العقلاني والهادئ في اليمن السعودية على مراجعة تقييمها لما يجري، وخاصة ما تعلق ببعض المزاعم والاتهامات عن نوايا العرقلة والتصعيد، ما قاد وزير الخارجية السعودي إلى القول أن الإمارات شريك استراتيجي وحليف قوي، في رسالة قد تكون موجهة إلى قوى ضغط داخلية وجدت الفرصة للدفع إلى توسيع الهوة بين الجارين، وهذا وارد، خاصة أن قائمة المستفيدين معروفة داخل المملكة من المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين من سروريين وشبكات نفوذ تراجعت إلى الواجهة الخلفية لكنها ما تزال مؤثرة في قطاعات مثل التعليم والإعلام والمؤسسة الدينية الرسمية، وشبكات أخرى خارج المملكة يحركها أنصار حزب الإصلاح اليمني وجهات أخرى من مصلحتها إرباك العلاقة بين الرياض وأبوظبي، وخاصة العلاقة المباشرة بين رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
والسؤال الآن إن كانت تصريحات الأمير فيصل بن فرحان بمثابة كلمة السر التي ستقود إلى وقف حملة الاستهداف تجاه الإمارات، وهي وإن كانت محدودة ومضبوطة على وسائل الإعلام التقليدية، فإنها منفلتة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يظهر وجود توجيه من دوائر غير رسمية لتوسيع الخلاف بين أبوظبي والرياض وخلق فتنة يصعب تدارك تداعياتها على المدى القريب.
وما يثير الاستغراب أن هذا الانفلات يتجاوز ردة الفعل على حدث بعينه وانتقاد السياسات إلى الانسياق وراء حملة لا تراعي تقاليد الخليجيين في النأي بالنفس عن الإساءات التي تطال الدول والشعوب والأعراض وتمس بالحياة الخاصة للأشخاص، وهو ما ترفضه السعودية.
لكن من المهم الإشارة إلى أن موقف الأمير فيصل بن فرحان، الهادف إلى تطويق الخلاف مع الإمارات، يظهر آلية التفكير السعودية التي تقوم على تغليب منطق التهدئة والحوار والتفاوض كعناصر رئيسية لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وهو الاستقرار الذي تبحث عنه بنفسها من خلال فتح قنوات الحوار مع إيران ومع الحوثيين في وقت كانت فيه آلة الدعاية التابعة للطرفين تستهدف السعودية بحملات صباح مساء.
نجحت السعودية في تحقيق اختراق استراتيجي عبر الحوار مع إيران، وهو ما جنبها أي تأثير لتداعيات حرب 12 يوما بين إسرائيل وإيران العام الماضي، وكذلك القصف الأميركي – الإسرائيلي على المواقع الحوثي. لقد كان الحوار هو بوابة أمنها الإقليمي في اليمن وتحييد الخطر الإيراني، ومن الأولى أن يكون أداتها الرئيسية في حل الخلافات الخليجية البينية مثل حصل في السابق مع تطويق الأزمة القطرية الخليجية وتبني خيار المصالحة في قمة العلا يناير 2021.
* صحيفة العرب اللندنية
>
