د. ابتسام الكتبي

د. ابتسام الكتبي

تابعنى على

اختبار الرَّدع: صلابة الإمارات في مواجهة الهجمات الإيرانية

Friday 13 March 2026 الساعة 11:38 pm

لم تكن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران باتجاه دول الخليج، بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، مجرد حادثة أمنية عابرة في سياق صراع إقليمي متصاعد، بل شكّلت اختباراً حقيقياً لقوة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات المركبة. فالحروب عبر التاريخ ليست مجرد ساحات للدمار، وإنما تُمثِّل في الأساس اختبارات حقيقية لصلابة الدول وقدرتها على الصمود وتحويل الأزمات إلى مصادر قوة. وفي كثير من الأحيان تكشف لحظات الخطر عن حقيقة التوازنات داخل الدول أكثر مما تكشفه سنوات الاستقرار. فعندما تتعرض الدول لتهديد مباشر، يظهر بوضوح مدى قوة مؤسساتها، وقدرة مجتمعاتها على التماسك، وصلابة منظوماتها الدفاعية والاقتصادية.

في هذا السياق، تبدو تجربة الإمارات خلال هذه المواجهة مثالاً لافتاً على قدرة الدول الحديثة على إدارة الأزمات المعقدة عبر مزيج متوازن من القوة العسكرية والمرونة المؤسسية والاستقرار المجتمعي. فبدلاً من أن تؤدي هذه الهجمات إلى إرباك الدولة أو إضعاف ثقة المجتمع والاقتصاد، كشفت عن منظومة متكاملة من الجاهزية والاستعداد، جعلت الإمارات تخرج من هذه الأزمة أكثر قوة وثقة في قدراتها.

فقد أظهرت المواجهة مع الهجمات الإيرانية أن الاستثمارات طويلة المدى التي قامت بها الإمارات في تطوير قدراتها الدفاعية ما كانت مجرد إنفاق عسكري تقليدي، بل جزءاً من رؤية استراتيجية لبناء منظومة ردع ودفاع متكاملة قادرة على التعامل مع التهديدات الحديثة، خصوصاً الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. فقد نجحت منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الجزء الأكبر من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت الدولة، وهو ما عكس مستوى عالياً من التكامل بين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والجاهزية العملياتية للقوات المسلحة. كما أظهر ذلك مدى أهمية بناء منظومة دفاعية متكاملة تجمع بين أنظمة الإنذار المبكر، والدفاع الصاروخي، وقدرات الحرب الإلكترونية للتعامل مع التهديدات الحديثة. وبهذا المعنى، فإن المواجهة لم تكن مجرد صدّ لهجوم، فقد كانت أيضاً اختباراً عملياً لمنظومة الردع الدفاعي الإماراتية، التي أثبتت قدرتها على حماية المجال الحيوي للدولة وتقليل تأثير الهجمات إلى الحد الأدنى.

كما كشفت الأزمة أيضاً عن قوة البنية المؤسسية للدولة، وقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة عالية. ففي مثل هذه اللحظات، لا يتحدد نجاح الدولة فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على التنسيق بين مؤسساتها المختلفة، من الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى المؤسسات الاقتصادية  والتعليمية والخدمية. وقد أظهرت الإمارات نموذجاً متقدماً في هذا المجال، حيث استمرت الخدمات الحيوية والبنية التحتية في العمل بشكل طبيعي، بينما حافظت المؤسسات الاقتصادية والمالية والتعليمية على استقرارها دون اضطرابات تُذكر. هذا الأداء يعكس ما يمكن تسميته "الدولة المرنة"، أي الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات دون أن يتعطل مسارها التنموي.

إن أحد أهم المؤشرات على قوة الدول في أوقات الأزمات هو سلوك الأسواق والمستثمرين. ففي كثير من الحالات تؤدي الصراعات العسكرية إلى هروب رؤوس الأموال أو اضطراب الأسواق، لكن المشهد في الإمارات كان مختلفاً إلى حد كبير. فقد استمرت أبوظبي ودبي في العمل كمراكز مالية وتجارية عالمية دون توقف، كما حافظت الأسواق على مستويات مرتفعة من الثقة. وهذا يعكس متانة الاقتصاد الإماراتي وتنوعه، إضافة إلى الثقة الدولية الكبيرة في استقرار الدولة وقدرتها على إدارة المخاطر. بعبارة أخرى، لم تتمكن الهجمات من تحقيق أحد أهدافها المحتملة، وهو إرباك البيئة الاقتصادية أو التشكيك في استقرار الدولة بوصفها مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار.

في أوقات الأزمات الكبرى يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات؛ وقد أظهرت هذه المواجهة مستوى لافتاً من التماسك المجتمعي داخل الإمارات، حيث تفاعل المواطنون والمقيمون بروح تضامن واضحة، مع دعم واسع لمؤسسات الدولة وقواتها المسلحة. هذا التماسك يعكس طبيعة النموذج الإماراتي القائم على مفهوم المجتمع المتعدد المتماسك، حيث يعيش ملايين المقيمين من مختلف الجنسيات ضمن منظومة قانونية ومؤسسية توفر لهم الأمن والاستقرار. وقد برز هذا النموذج بوضوح في خلال الأزمة، عندما تحولت مشاعر الانتماء إلى عامل قوة إضافي للدولة.

وعلى الصعيد السياسي، أظهرت الأزمة أن الإمارات لا تمثل مجرد دولة اقتصادية ناجحة في المنطقة، بل أيضاً دولة تمتلك وزناً استراتيجياً متزايداً في معادلات الأمن الإقليمي. فقد أدانت العديد من الدول الهجمات التي استهدفت الإمارات، وأكدت دعمها لحقها في الدفاع عن نفسها، وهو ما يعكس مكانة الدولة بوصفها شريكاً موثوقاً في النظام الدولي. 

تكشف تجربة الإمارات في مواجهة الاعتداءات الإيرانية عن حقيقة استراتيجية مهمة؛ قوة الدول لا تتحدد فقط بقدرتها على تجنُّب الأزمات، بل بقدرتها على إدارتها وتحويلها إلى مصدر لتعزيز قوتها الوطنية. لقد أظهرت هذه المواجهة أن الإمارات تمتلك منظومة متكاملة من عناصر القوة؛ ردعاً دفاعياً متقدماً، ومؤسسات دولة فعالة، واقتصاداً مرناً، ومجتمعاً متماسكاً، وشبكة واسعة من الشراكات الدولية. وبدلاً من أن تؤدي هذه الاعتداءات إلى إضعاف الدولة أو زعزعة ثقة المجتمع والأسواق، كشفت عن عمق النموذج الإماراتي وقدرته على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة.

لذلك يمكن القول إن الإمارات لم تخرج من هذه الأزمة فقط وقد نجحت في احتواء تداعياتها، بل خرجت أيضاً أكثر صلابة وثقة في قدراتها، وأكثر رسوخاً في موقعها كقوة إقليمية مستقرة وقادرة على حماية أمنها ومواصلة مسارها التنموي في عالم يتسم بتزايد الاضطرابات الجيوسياسية.

*مركز الإمارات للسياسات