محمد عزان

محمد عزان

تابعنى على

هـذا ديننا.. القتال في القرآن

الثلاثاء 17 ديسمبر 2019 الساعة 05:17 م

جاء القرآن والقتال سلوك بشري شائع في حياة المجتمع العربي وغير العربي، ولم يجلب منه شيئاً معه؛ بل حذر منه وقبّحه واعتبره ﴿من عَمل الشيْطان﴾، ولم يأذن به قط إلا بعد تَوَفُّر المبرر الإنساني والأخلاقي الواضح، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُـوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّـهُ﴾.

فبين أن الإذن بالقتال جاء معلَّلاً بالحيثيّة الإنسانية التي تبرّره في الواقع، وهو دفع تمادي الظالمين في الإفساد في الأرض المتمثل في التضييق على الناس وإخراجهم من ديارهم لمجرد اختيارهم منهجاً فكرياً لا يروق لهم.

وأقدّر أن جميع العقلاء لا يختلفون في أنه لا بد لأيّة شريعة عادلة أن تمنح الإنسان بحق الدفاع عن نفسه حينما يتعرض للابادة بسبب خياره الفكري، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّـهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾.

لكن القرآن حرص على أن يقطع الاحتمالات على نوازع الهوى ودوافع الطغيان التي يتسلل من خلالها البعض لاستباحة دماء مخالفيهم، فنهى عن قتال المُسالمين وإن كانوا أعداء يرغبون في القتال ولم يُقْعدهم إلا العجز، فذكر أنهم: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.

فقضى بأنه لا سبيل إلى قتال غير المقاتل وإن كان يُضمر الشّر، ولا يجوز أن يتلقى ضربة استباقية؛ لأن ذلك نوع من العدوان.

أما من يمارسون العدوان الفعلي، فلا بد من التصدي لهم وإن كانوا يعدون أنفسهم غير مخالفين: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

فكان الموجب للكف عن قتال الفريق المناوئ - في الآية الأولى - أنهم اعتزلوا ولم يقاتلوا، بينما كان مبرر القتال - في الثانية - أن الفريق المناوئ لم يكفوا عدوانهم.

وفي موضوع القتال.. أبتلي القرآن بفئتين من الخصوم، فئة تضخّم شأن القتال فيه، وتقدمه كهدف مقدس للدين، بغرض التنفير عن الإسلام وتصويره كأنه مصدر للإرهاب وقوة دافعة للقتل والقتال.. وفئة تستغل ما ذكر في القرآن في شأن القتال لتشرعن به تطرفها، وتضرب به خصومها، بعد أن تفصله عن سياقه الموضوعي (زماناً ومكاناً وأسباباً) وتسقطه على من يخالفها لتفتك به، مهما كان دينه وجنسه وموقفه، وكلما ﴿فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا.. قُلْ: إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وفي صورة من أرقى صور التسامح الديني أمر الله نبيه بأن {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

فاكتفى بدعوة مخالفيه إلى الالتفاف حول القَاسِم المشترك بين الجميع (توحيد الله والتّحرر من كهنوت البشر)، ولم يلزمهم بالاعتراف بنبوته ولا حتى بالنزول على أحكام القرآن!

ولم يكتف القرآن الكريم بالنص على التسامح مع المخالفين الذين لم يعتدوا على المسلمين لأجل دينهم؛ بل شجع على البِر ّبهم والإحسان إليهم، فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فبين أن الموقف الصارم إنما هو في مواجهة المعتدي.

وهذا حق مشروع تكفله جميع الأعراف الإنسانية.

وحتى المشركين المعادين للإسلام، ما أذن القرآن بقتالهم إلا حينما أوغلوا في العدوان، فاتخذ ضدهم الإجراءات الآتية:

❶ أعلن البراءة منهم بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فارتبطت البراءة بموضوع العهد المنقوض.

❷ أعطاهم مهلة لمراجعة أنفسهم، فقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾.

❸ أمر بقاتلهم بعد انتهاء المهلة، فقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُو هُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.

❹ أكد أن هذا الحكم خاص بمن اعتدى ونكث العهود فقط، فقال: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.

❺ إسقاط حكم الملاحقة الجنائية عمن ترك الكفر، كنوع من الترغيب، لعل ذلك يكون سبباً في هدايتهم، فقال: ﴿فإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإخوانكم في الدين﴾.

❻ أمر بتأمين من استجار منهم وإن بقي على شركه، فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فلو كان قتالهم بسب شركهم لما أمر بتأمينهم.

❼ بَيّن من الحيثيات التي أدت إلى الموقف الصارم منهم، وهي:

▪ أنهم: ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.

▪ أنهم: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

▪ أنهم: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

▪ أنهم: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.

▪ أنهم: ﴿نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُو كُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

هذا كله في الآيات الأولى من سورة التوبة، التي يجتزئ منها المشككون قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، ليلبسوا بها على البسطاء، وكأنها جاءت منتوفة هكذا في غير سياق زماني ومكاني معين.

وسأذكر هنا خلاصة لموضوع القتال في القرآن، ليكون القارئ على بينة من أمره، خصوصاً أن القرآن موجود بين يدي الجميع يمكنهم الرجوع إليه والتحقق منه.

تكرر ذكر القتل - بجميع اشتقاقاته اللغوية - في (122 آية) من مجموع يزيد عن (6200 آية).. ذُكِر في (83 موضوعاً)، فقط، نفصّلها كالآتي:

▪(30 موضوعاً) تحكي أخبار وقصص الأمم السابقة.

▪(39 موضوعاً) تصف أحداثاً في عصر الرسالة، في سياقها الموضوعي.

▪(8 مواضيع) تنص على قِيَم وتشريعات في شأن القتال.

▪(6 مواضيع) في غير معنى الإماتة، مثل: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾.

* جمعه نيوزيمن من منشورات للكاتب على صفحته في الفيس بوك