أحمد شوقي أحمدأحمد شوقي أحمد

رجل الجيش والشعب!

مقالات

2020-07-30 14:48:01

في الأشهر الأولى للحرب، كنا بصدد إنهاء نشاط أول مركز إعلامي لدعم المقاومة، بعد نفاد التبرعات الضئيلة التي قدمت له، حين زارنا فؤاد الشدادي بعد غياب طويل، في أواخر شهر رمضان الفضيل، ودعاني للعودة معه إلى الضباب، لقضاء إجازة العيد في الجبهة رفقة الشهيد الراحل عدنان الحمادي... رن هاتفه، كان الاتصال من عائلته التي ناشدته بحرارة العودة لقضاء إجازة العيد، رد بحزم أنه لن يعود إلى منزله حتى يتم تحرير تعز، فأصابني همٌّ ثقيل، وخشيت ألا يعود صاحبي لمنزله وأسرته إلا جثة هامدة، فأنا أدرك أن صاحبي لا يبالغ وسيكابر، وأعرف أن ما يحتاجه المرء ليكون بطلاً: قدر من الذكاء، وعزيمة كالتي يمتلكها فؤاد الشدادي.

تعرفت إلى فؤاد الشدادي، إبان ثورة الشباب في فبراير 2011م، على هامش المسيرة الراجلة لأبناء المعافر، وهي أولى المسيرات الراجلة التي يشارك فيها عشرات الآلاف سيراً على الأقدام لعشرات الكيلومترات، ومنها استلهمت فكرة مسيرة الحياة الشهيرة، لكن تاريخ فؤاد الشدادي النضالي والسياسي يسبق ذلك اللقاء بزهاء عشرين عاماً، إبان عمله في القوات البحرية في محافظة الحديدة، التي شهدت أولى تظاهراتها الحاشدة، بالمسيرات التي نظمها فؤاد الشدادي وزملاؤه عام 1992م، تضامناً مع انتفاضة الجياع في 9 و10 ديسمبر عام 1992 والتي لاقت قمعاً كبيراً من قبل السلطات آنذاك.

دفع الشدادي ثمن تلك المغامرات الجريئة، في تلك المرحلة الحرجة، حيث اعتقل من قبل الشرطة العسكرية، وسجن لقرابة شهرين وعُذب وصعق بالكهرباء، باعتباره المحرض الرئيس، والمنظم رفقة عدد من زملائه لتلك المظاهرات التي اكتسبت زخماً جماهيرياً بسبب القدرات الفنية للمنظمين، واستطاع فؤاد الخروج من سجنه لاحقاً بتدخل من منظمة العفو الدولية، لكنه لم يستطع الاستمرار في عمله لأكثر من عامين ونيف بسبب المضايقات، ما اضطره لترك الخدمة في السلك العسكري، والاتجاه إلى العمل في القطاع المدني، الذي سمح له بمساحة أفضل لممارسة نشاطه الجماهيري والسياسي.

أكثر من ربع قرن من النضال الجماهيري والسياسي والاجتماعي، أعطى فؤاد الشدادي شعبية وحضوراً كبيراً في "المعافر" ومحيطها من مديريات الحجرية، إنجاز متواضع كهذا، بالنسبة لحجم الجهد والعمل المستمر الذي بذله الشدادي، كان ليتضاعف أضعافاً مضاعفةً، فقط لو أن صاحبه يتحلى ببعض الطمع، أو الطموح لركوب الموجة وظهور الجماهير، لكن الشدادي الذي أعرفه، كان متحيزاً للمسحوقين والفقراء، ومنحازا لتطلعات الجماهير حد التطرف، وهو ما جعله مشاكساً بنظر الساسة، وأفقده دعمهم، بل لعله استفز بعضهم لمحاربته، وجعله صاحب موقف بنظر نفسه، فزهده في كل طموح، وجعل منه بطلاً صغيراً في نطاقه الجغرافي، لكنه كبير، ويفوق الكبار في حجم تضحيته ونشاطه ودأبه المستمر.

لقد مثلت الحرب لفؤاد الشدادي، كما مثلت لغيره من المسكونين بالوعي الحاذق، فرصة تاريخية لتسوية حسابٍ قديم، بين قوى النفوذ المركزية الغاشمة، وبين عموم الشعب المسالم، المكافح لتوفير لقمة العيش الحلال، بعلمه وجهده ودأبه المستمر، ورغم أن الحرب باغتت الجميع، إلا أن نخبة من الأبطال شدوا مآزرهم لها، كان الشدادي في طليعتهم رفقة الشهيد عدنان الحمادي والشهيد العوني، وإن كان الشدادي دينامو التحركات في الميدان، فقد كان لشجاعته ومواقفه الجريئة في مواجهة تردد بعض الضباط أو تقصيرهم، أبلغ الأثر في شد الهمم إبان لحظة حرجة، كان الخوف سيدها، وكانت نواة الجيش الوطني غصة طرية، لكنها أثمرت أولى أجنتها اليافعة، كتائب الشهيد عبد الرقيب عبد الوهاب التي أسسها الشدادي ورفاقه، فجالت وصالت، ولعل البعض يتذكر صمودها الأسطوري في جبل جرة بقيادة الشهيد عدنان الحمادي، أو نجاحاتها في الجهة الغربية للمدينة، وفي معركة مشرعة وحدنان الذي أمدهم بالذخيرة ومجموعة الشيخ عبدالقوي الوجيه والتي فاقت قدرة الكتائب على المحافظة عليها، نتيجة شح الإمكانيات التي اعتمدت على المبالغ التي وفرها الأستاذ عبد الله نعمان وآخرون، فيما انحصر دعم التحالف العربي، آنذاك، على الشيخ حمود المخلافي ومجموعته.

مناطق كثيرة، في مديريات الحجرية، عرفت الشدادي قائداً محنكاً ومحارباً عنيداً، لعل أبرزها، الراهش والكدحة والأقروض، وهذه الأخيرة أكثر الجبهات استنزفت العدو وأصعبها وأكبر مساحة لم تستمر أكثر من عام منذ أن أسسها حتى تحررت على يديه هو والشهيد العوني، فكان قائد جبهة تحرير الأقروض أكثر جبهات المحافظة استعصاءً، كما وفر له ثقله الاجتماعي، القدرة على الاستدانة من التجار والميسورين، وتدبر احتياجات الجبهة التي كانت على وشك السقوط، لتنتصر تحت قيادته انتصاراً مظفراً، ما زلنا إلى اليوم نشكر الله عليه.. كما تذكر الكدحة، فزعته لإنقاذها بعد هرب العشرات من المقاتلين التابعين لأحد الألوية من متاريسهم دون قتال، ليهرع إليها الشدادي، الذي كان معتكفاً في بيته غضباً بسبب عدم تجاوب القيادة السياسية آنذاك لسداد ديونه الطائلة، فتدارك أمر المنفذ الغربي، وأنقذ الكدحة، وهو جميل كنتُ أحمله بشكل شخصي لفؤاد الشدادي، الذي تناسى نفسه والغبن الذي لحق به، وهرع إلى الميدان للدفاع عن محافظته وسكانها وطريقهم الحيوي الوحيد الذي يربطهم بالعالم والحياة. وفي جبهة الصلو التي استشهد فيها مرافقه الشخصي وابن عمه وابن القائد الشهيد فاروق الجعفري صهيب يوم تحرير جبهة الصلو، وجبهة حيفان وغيرها من الجبهات.

ويخجلني الآن، وأنا أجتهد بنفس متقطع كؤود، لاختصار وتقطيع سيرة ومسيرة هذا القائد المغمور والمغبون والبطل، أن أجتهد في إيجاز وحذف الكثير من المواقف والأحداث والبطولات العظيمة والتفاصيل الملهمة، حفاظاً على وقت القارئ وتركيزه، فيما لا يخجل حفنة من الدخلاء، المستخدمين لدى حزب الإصلاح وأدواته الإعلامية، من القدح والردح والافتراء وكيل الاتهامات وترويج الإشاعات وتشويه السمعة بحق قائد مغوار اختار بوعي أن ينكر ذاته ويستثني نفسه حد الظلم، وجعلته تحيزاته وتعاطفه الشديد مع الناس، يعزف ويزهد في كل الفرص والمطامح والأمجاد الشخصية.

لقد خسر فؤاد الشدادي نجله البكر، ذا السبعة عشر ربيعاً، أمجد، ذلك الفتى النبيه والخدوم والدمث حد الإخجال، والشظوف الرجل منذ طفولته كما يلاحظ كل من يتعامل معه، حين قتل هذا الصبي الرجل والشجاع، في الجبهة متطوعاً ومقاتلاً في صفوف تعز التي يتشدق بها زيفاً وكذباً إعلام الإخوان المرائي، وخسر 6 آخرين من أبناء إخوته وعمومته، وأضعاف ذلك من عائلته (آل الشدادي)، لم يهن فؤاد ولم يتلكأ، وحين قدم المعزون لمواساته بنجله البكر، قال لهم مقالته الأثيرة "عزاؤنا في المتارس، وليس في المجالس"..

بهذه الروح يعيش ويقاتل فؤاد الشدادي، ويتفق ويختلف، وقد تتقاطع أو تتخاصم معه، لكنه لا يخون ولا يغدر، ولا يتآمر على أصدقائه ولو كان في لحظة قطيعة معهم، وهو المشحون بعاطفة متأججة، أحبت هذه المدينة وأخلصت لها وبذلت في سبيلها كل غالٍ ونفيس، وهذا ما جعله يسعى دائماً للتقريب في وجهات النظر، بين الأحزاب والقوى السياسية بالمحافظة، وخصوصاً تجمع الإصلاح والتنظيم الناصري، حين بادر بالتوسط بينهما للتقريب في وجهات النظر وتوحيد الجهود من أجل تحرير تعز والتمدد لتحرير باقي الوطن المسلوب.

وقد كنتُ بشكل ما، طرفاً في هذا التلاقي والحوار، وككل مرة، لف الإصلاح ودار وراوغ، واستنزف منا الكثير من الوقت والجهد، واتضح في النهاية أن الإصلاح بقضه وقضيضه، يسعى لإغلاق صفحات بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.. وعلى الرغم أنه من غير المعقول ممارسة أية وصاية أو رقابة، فإن من المضحك أن بعض هؤلاء أسماء مستعارة لا يعرفهم احد، وبعيداً عن سخف هذا المسعى.. كان فؤاد الشدادي، الشخصية الإجماعية ورجل التوافق كما أُطلق عليه، يسعى مرة بعد مرة، متجاهلاً كل ملاحظات زملائه وأصدقائه الذين حاولوا إقناعه بعدم جدوى أي اتفاقات أو تفاهمات مع تجمع الإصلاح، لأنه سرعان ما يتنصل عنها بذات كفاءته في المزايدة بها وبما تضمنته من بنود.

وكانت آخر المبادرات التي تقدم بها الشدادي، تلك التي انبثقت عنها لجنة وساطة شغل عضويتها، بصفته قائد مقاومة الحجرية، ورغم جهود الشدادي الذي حاول حلحلة النزاع بين قيادة اللواء 35 مدرع ممثلة بالشهيد الراحل عدنان الحمادي، وبين حزب الإصلاح ممثلاً بمستشار محور تعز عبده فرحان "سالم" وقائد محور تعز اللواء خالد فاضل، فإن الإصلاح بعد كثير من المراوغة أيضاً أبطل مفعول تلك اللجنة، ليسدل الستار على عملها باستشهاد القائد الشهيد عدنان الحمادي في لحظةٍ غادرة، ونهاية درامية مؤلمة للفصل الأول من هذا الصراع الذي نشهد هذه الأيام فصله الثاني بضجيجه الإصلاحي الصاخب الذي اعتدنا عليه.

هل كانت قيادة الإصلاح تتوقع وهي في طريقها لاجتياح الحجرية وتنفيذ مخططاتها المنفق عليها إقليمياً، أن ترضخ الناس طوعاً لإرادة الحزب؟! أو أن يساومهم بالمال والمناصب، أشخاص هم رأس حربة هذه المنطقة، وطليعتها الشجاعة من أمثال فؤاد الشدادي؟! أم توقعوا منه أن يرضخ لشعوره بالغبن والتهميش ويستسلم؟! أم غرهم التهويل الإعلامي المبالغ فيه عن حشودهم وشعبيتهم، ليصدموا بالحشود الكبيرة التي رفضتهم، والتي وعدهم بها فؤاد في رسالته التحذيرية إليهم قبل شهر من الآن، حين قال: "فليكن الشارع حكماً بيننا وبينكم".. إنه لأمر مثير للسخرية، أن يحاول الإصلاحيون سحق إرادة الناس ومسح صوتهم الهادر، بهذا القدر من التفاهة والسطحية والتحقير، كما فعلوا في حملاتهم الرخيصة للنيل من نضالات رجل شعبي، وعسكري مقدام، ببسالة وجرأة ومروءة فؤاد الشدادي.

-->