عودة الرسم العثماني من بوابة قطر.. استعمار مدفوع الأجر واستدعاء له دلالاته (4)

@ القاهرة، نيوزيمن، محمد عبده الشجاع: تقارير

2020-07-06 15:22:37

من يعتقد أن ما يحدث في الشرق الأوسط تحديدًا صدفة فهو شبه تائه، إذ لا يمكن لهذه الدقة في تقطيع الأوصال وتفتيت المشتركات، وتشتيت الهويات، وجرف المعالم، وترسيخ مفاهيم وعلاقات مناهضة للنسيج المتجانس الحامل لبذور الألفة أن تكون حالات عفوية، حيث وإن ذلك يجري لصالح مشاريع تتكئ على إرث استعماري توسعي؛ يتم تضخيمها على أنها أهداف سامية.

تركيا وجوائز الجغرافيا

قبل فترة وجيزة بدأت تنتشر صور في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ل"جمهورية الصومال لاند"، الصور لشوارع مرتبة وبيوت ملونة بألوان جميلة وزاهية، ومن خلفهما أنشطة تجارية وحركة.

أصبحت المدينة تلك لضرب المثل بأن الصومال تطورت واليمن في تخلف، ليأتي آخر ويقول لك انظر هذا كله بفضل (تركيا).

كذلك يتم الترويج لمناطق سيطرة الإخوان في اليمن، فالتنمية التي تأتي عن طريق هؤلاء هي التي تستحق الذكر وما دونها لا.

ستجد آلاف المؤدلجين يمجدون شخصا وفترة (رجب طيب اردوغان) ومشاريعه وما أحدثه خلال فترة حكمه، لكن بالمقابل لن تجد إلا اليسير من يثني على مصر من هؤلاء وما يحدث فيها من تحول وبنى تحتية، واستقرار، لماذا؟ لأن القيادة ليست مؤدلجة.

>> عودة الرسم العثماني من بوابة قطر.. استعمار مدفوع الأجر واستدعاء له دلالاته (3)

وهذا يسري على كل البلدان التي تعج بالإخوان، وهي عملية تسويقية غير واعية، تتشاركها الجماعات الأيديولوجية والقوى المناهضة على حد سواء، فقط من أجل النيل من الخصم لا أكثر.

حاولت تركيا بكل ثقلها التاريخي وعلاقاتها المشبوهة، وضع قدم لها في إفريقيا قريبًا من المياه العربية الدافئة، وكان لا بد من أن تكمل حصد الجوائز من خلال اليمن، لكنها وجدت نفسها غير قادرة على ذلك ما لم تشرك جماعة الإخوان في تعطيل الحياة لتسهيل الدخول.

كما أن سقوط النظام السوداني مؤخرًا أربك حساباتها بدون شك، ودخول دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربيةالسعودية على خطوط الصراع جعلها مثل قطة محاصرة.

توقف الأتراك عن حصد الجوائز في اليمن بعد ذهاب الشمال إلى يد الحوثيين ذراع إيران في اليمن، وذهاب الجنوب وبعض من الشمال إلى التحالف بقيادة السعودية والإمارات وبدأت تتخلق قوى على الأرض ليس لها خطوط مع الأتراك.

استمات الأتراك بشتى الطرق وحتى اللحظات الأخيرة في اليمن، فهم يدركون على الأقل عدد الجزر اليمنية المترامية في البحر الأحمر والعربي، وإن كان أمر الجزر صعبا إلى حد ما، لكن الأهم هو استمرار أدواتهم الفاعلة والنشطة في الداخل بالعمل، لذا فإنهم لن يرفعوا أيديهم عن اليمن بعد.

عودة قطر إلى البيت الخليجي

يدرك النظام القطري أن دولته أقل بكثير من أن تلعب دورًا رياديًا، على الأقل أمام المملكة العربية السعودية بثقلها الجغرافي والديني، وإن كانت هذه الأخيرة قد أظهرت إخفاقا كبيرًا في السنوات الأخيرة، وتحديدا تعاملها مع الملف اليمني وهو ما جعلها عرضة للنقد والاستهجان.

إذًا ستستمر قناة الجزيرة في تمثيل النظام القطري وستظل آبار الغاز تغذي (علبة الكبريت) لكن هذا غير كاف.

إذْ لا بد على قطر أن تعود للبيت الخليجي مهما حاولت أن تنسلخ منه، لعدة أمور تتعلق بالجوار ومجلس التعاون والحدث الأبرز والأهم كأس العالم 2022م.

ولأن العامل الاقتصادي هو الأهم دائما في العلاقات بين الدول، فهو الذي يغذي بل يُحيي الكثير من المشتركات والنواقص، لذا فإن العودة حتمية.

قطر اليوم قررت أن تستقطع ما نسبته 30% من رواتب أفراد الجيش ومنتسبي الشرطة، وهي الدولة التي كان فيها معدل دخل الفرد ضمن المراتب الأولى على مستوى العالم.

إضافة إلى ذلك ارتفاع مستوى المعيشة بحسب التقارير واسعار الإيجارات في ظل غياب الرقابة، وهو الأمر الذي يزيد من معاناة الكثير من الوافدين وغيرهم.

إذا ثمة معاناة يخوضها هذا البلد الصغير الممتلء بالغاز ولا بد من مراجعة حساباته التي دفعته لضخ المليارات للنظام التركي والتحالف معه باستقدام قوات عسكرية.

وصاية فاشلة

العلاقات القائمة والعابرة للقارات والدول، إذا لم تكن مباشرة مع قلب النظام فإنها تظل مهزوزة ومشبوهة، لذا سوف تجد تركيا نفسها محملة بملفات ثقيلة إذا استمر اعتمادها على جماعات لا تمثل الجغرافيا تمثيلًا كاملا، كما هو حاصل مع الإخوان في بعض الدول العربية والافريقية.

فمثلا حكومة السراج في طرابلس شمال ليبيا، لفت نظري صورة للرئيس وهو يزور الجرحى في أحد المستشفيات، كان الجرحى ملثمين بلثامات سوداء والحرس أيضا، وحده الرئيس كاشف الوجه، وهنا يمكن طرح العديد من التساؤلات، أهمها أنك أمام نظام مليشاوي بدون أي شك.

وهنا لا نقلل من الدور أو الخطر التركي بقدر ما نعطي صورة أو رؤية من الزاوية التي نراها، لأن دولة كتركيا بالتأكيد تجيد اللعب على كافة المتناقضات والفوضى.

فإذا كانت إيران قد أضافت اليمن إلى رصيدها أو كما صرح أحدهم بقوله إن العاصمة الرابعة سقطت في أيدينا وكان يقصد "صنعاء"، التي تلت بغداد، وبيروت، والمنامة، فإن تركيا قد أدركت مبكرًا أن عليها استغلال أي فرصة أحدثتها فوضى الربيع لوضع قدمها على الأنقاض.

وقد رأينا كيف عبث النظام التركي بالجمهورية العربية السورية، وما صاحبه من تغطية إعلامية في منتهى الابتذال والحقد، بل ظلت تلك الآلة تعمل بوتيرة عالية حتى بعد استقطاع جزء من الأراضي العربية.

ذلك هو نفس النظام الذي تواجد في أجزاء من جمهورية الصومال، وهو نفسه الذي يدعم حكومة طرابلس في الشمال الليبي، ويريد قدما في البحر الأحمر والمتوسط والخليج العربي.

ستظل تركيا تبحث للحصول على مقتنيات جديدة إذا استمر الصراع العربي العربي بهذا الشكل دون التوصل إلى صيغة من العلاقات التي تحفظ ماء الوجه وماء الثروة وماء الجغرافيا.