تسكن أعلى السحاب تعانق الشمس وتهطل "موكا كافيه".. حراز

إقتصاد - الجمعة 01 يوليو 2022 الساعة 09:33 ص
نيوزيمن، كتب/ د. فاروق ثابت:

من المؤلم أن تلد وتشب وتشيخ وأنت لم تعرف بلدك بعد.

وكيف لليمني أن ينتقل من مكان إلى آخر وهو لا يستطيع توفير قوت عيشه إلا بالكاد. 

"حراز حراز يا ليتني حرازي"..

نحو ساعة تقريباً تقطعها بالسيارة باتجاه جنوب غرب صنعاء ستصل وجهتك في حراز وبالتحديد مناخة إحدى المديريات الثلاث. 

قبل عقود خلت كانت حراز قبلة السياح القادمين إليها من أنحاء مختلفة في العالم، تلك المنطقة التي خلقها الله آية ربانية له في الأرض.

ارتفاع المنطقة عن سطح البحر يتراوح بين 2500 إلى 3200 متر جعلها وجهة اليمني القديم. فمنذ وجد الإنسان اليمني على الأرض اتجه للعيش في الجبال والمرتفعات والقمم الشامخة، وذلك خوفا على حياته من الوحوش، وكذا هروبا من الغزاة واللصوص وقطاع الطرق. وكانت حراز وجبالها إحدى هذه المناطق التي عصمت اليمني القديم منذ الأزل. 

في مناخة أو صعفان أو الحصن، ستكون في رحلة علاج واستجمام للروح والقلب والجسد والنظر معاً، وأنت تستنشق الهواء البارد ثم تكحل ناظريك بخضرة المدرجات المنتشرة اينما وجهت وجهك. 

وفي قرية الحطيب للقصة حديث آخر، فمن يسمع عنها او يقرأ لاجلها او يشاهد تصويرا متلفزا لها سيظن انها رواية خيالية او قصة اسطورية لا تمت للحقيقة بصلة.

المعلوم في رحلات سفر الخطوط الجوية انك ترى السحاب اعلى منك او بجانبك او ترتفع عنها قليلا.

لكن ان تعيش في منزلك والسحاب تحتك، تنجز مهامك اليومية وتخرج وتعود وانت تعتلي السحاب، فهذا لم يكن في الحسبان ولم يحصل في اي منطقة في العالم قط، وهكذا هي قرية الحطيب الواقعة في مديرية مناخة بمنطقة حراز. 

يبدأ النهار بالزوال وانت تلاحظه في مشهد درامي لم تتخيله في حياتك قط، ثم يأتي الليل، فينبلج الصباح وانت تتابعه شيئا فشيئا وهو يصافح السحاب بنسائمه العليلة ثم تنبعث خيوط الشمس الحمراء الملاصقة للسحاب المنتشر على كل الجبال والمناطق المطلة للقرية، تستنشق الصبح وتحدق وانت تشهق من دهشة المشهد، ويدك على قلبك. والاكثر دهشة، ان المنطقة رغم شدة البرودة في صنعاء ككل وفيها بشكل خاص بحكم ارتفاعها عن سطح البحر تتحول الى دافئة بمجرد شروق الشمس كل صباح. 

يؤرخ لبداية انطلاق النشاط السياسي للملكة اروى بنت احمد صاحبة الدولة الصليحية من قرية الحطيب حيث كانت القرية معقلا لآل الصليحي ككل. 

ويصل علو المنازل القديمة في قرى حراز كالهجرة والحطيب، الى خمسة طوابق ما يجعلها ضمن اقدم ناطحات السحاب التاريخية، بنيت القصور بالاحجار المهندسة، ذات طابع مميز جرى وضعها على حواف ربوة حجرية عالية لها مدخل واحد وتبدو كقلعة حربية مهيبة. 

ومعظم من يقطن القرية هم طائفة "البهرة" او من يسمون ب"الاسماعيلية" وهم طائفة مسلمة يتزعمهم محمد برهان الدين، الذي يعيش في مومباي في الهند، وفيها مزار وقبة مرجعهم حاتم محيي الدين الذي يزوره عشرات البهرة سنويا من مختلف الدول، الهند بالدرجة الاولى، وتعرض الكثير من الاسماعيليين والبهرة مؤخرا للاستهداف من قبل المليشيا الحوثية، حيث تم اختطاف العشرات وزج بهم في السجون لاسباب طائفية. 

وانت تتنقل بين مديريات حراز سيشدك البن الحرازي المعانق للمدرجات في لوحة مدهشة.

من هنا من هذه المدرجات التي تبدو كامواج بحر هائلة حملت امواجها اجود انواع البن اليمني، لتوصله الى المخا ومن المخا تكفل الموج بايصال القهوة الحرازية الى كل هواة وعشاق البن اليمني في المعمورة، ليتحول الميناء الى ماركة عالمية ربطت بالقوة "موكا كافيه".

قَدَّرت تقارير اقتصادية الكلفة السنوية لصناعة القهوة العالمية بنحو 61.1 مليار جنيه استرليني، ما جعلها اغلى سلعة تجارية في العالم بعد النفط. 

واطلق مؤخرا اهالي حراز حملات متواصلة لاقتلاع شجرة القات واستبدالها بالبن، وصل الامر حد تدخل المعدات الثقيلة كالشيولات لدى طائفة البهرة لاجتثاث اشجار القات العملاقة التي تستهلك نحو 60 في المائة من مياه الري، وتستنزف الآبار والمياه الجوفية، ليتم استبدالها بالبن. 

وأنت على شرفة قصر احدى قرى حراز تشاهد السحاب تحتك تحتضنها الجبال، والمدرجات من حولك، تستنشق النسيم العليل وبيدك كوب قهوة تنبعث روائحه الآسرة، ترشف منه فتملك الدنيا وتعيش جمالها لتعيدك إلى بداياتك وشبابك الأول.. 

تستمر في التحديق والرشفات في هذه المنطقة التابعة لصنعاء فتتذكر الاغنية اليمنية "صنعاء اليمن ثانية".

تعيش وتتيقن اللحظات بحق "صنعاء اليمن ثانية" وتدرك أنها لم تكن أغنية عابرة.