محمد الصالحين الهوني
هل يكون عام 2026 شاهدا على نهاية الحقبة الإيرانية؟
شهدت إيران خلال عام 2025 سلسلة من الأحداث المتسارعة، بلغت ذروتها مع مطلع عام 2026، اختلط فيها الاحتقان المجتمعي المتصاعد مع صراع خفي بين تيارات النظام. هذا التداخل لم يقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل انعكس مباشرة على المشهد الإقليمي، واضعًا دول المنطقة أمام واقع متغير يستدعي قراءة دقيقة وإستراتيجيات أكثر مرونة. فما يجري في طهران اليوم يتجاوز حدود إيران الوطنية، ويشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها، ويضع الدول العربية أمام سؤال مصيري: كيف يمكن التعامل مع هذا التحول دون الوقوع في فخ المواجهة أو الانجرار إلى الاستسلام للواقع المفروض؟
على الصعيد الداخلي، تواجه إيران أزمة مركبة تجمع بين السخط الشعبي المتنامي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والقيود الاجتماعية، وصراع داخل مؤسسات النظام بين التيارات المحافظة المتشددة والتيارات الأكثر براغماتية. وقد أدت العقوبات الدولية إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية، حيث وصل التضخم إلى مستويات قياسية، وواجهت العملة الوطنية انهيارًا حادًا، مما زاد من حالة الاحتقان الداخلي.
هذه التصدعات الداخلية لا تضعف النظام فحسب، بل تقلل من قدرته على الحفاظ على نفوذه الإقليمي بالصورة التي اعتادها. وبدأت ملامح تأثير هذه الأزمات الداخلية تظهر في تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، كما هو الحال في العراق، حيث تشهد القوى السياسية الموالية لإيران انقسامات داخلية. وفي لبنان فقد حزب الله جزءًا من شعبيته بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية. وفي اليمن، تواجه الميليشيات الحوثية صعوبات في الحفاظ على زخمها العسكري. ولا ننسى بالطبع أمّ الخسائر كلها في سوريا.
التراجع النسبي في النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات الإقليمية، بل قد يؤدي إلى سلوك أكثر عدوانية في بعض الملفات كتعويض عن الضعف الداخلي. فمضيق هرمز يظل ورقة ضغط إستراتيجية في يد طهران، ويمكن أن تلجأ إلى استخدامه كأداة للتفاوض أو الابتزاز في حال اشتداد الأزمات الداخلية. كما أن الميليشيات المسلحة في المنطقة قد تشهد تحولات في ولاءاتها أو تبحث عن مصادر تمويل بديلة، مما قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق تواجه الدول العربية تحديًا ثلاثي الأبعاد: كيف تتعامل مع نظام إيراني يعاني من أزمات داخلية لكنه لا يزال قادرًا على إثارة المشاكل الإقليمية؟ وكيف تستفيد من ضعف النفوذ الإيراني النسبي لتعزيز أمنها الإقليمي؟ وكيف تحول التهديدات إلى فرص لبناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا؟
لقد أظهرت السياسة العربية في السنوات الأخيرة تحولًا إيجابيًا نحو مزيد من التنسيق والتعاون، كما تجلى في النجاح النسبي لقمة جدة الأخيرة، والتقارب الملحوظ بين السعودية وإيران تحت وساطة صينية. لكن هذا التقارب يظل هشًا وقابلًا للتراجع في أي لحظة، خاصة مع تغير الظروف الداخلية الإيرانية. لذلك، تحتاج الدول العربية إلى تطوير إستراتيجية متوازنة تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي والحذر الأمني، بين الحوار المباشر والاستعداد للرد على أي عدوان.
أولى خطوات هذه الإستراتيجية يجب أن تكون تعزيز التكامل الأمني العربي، من خلال تطوير أنظمة إنذار مبكر مشتركة، وزيادة التنسيق في مجال الدفاع الجوي والأمن البحري، وخلق آليات للاستجابة السريعة لأي تهديدات إقليمية. كما يجب العمل على تعزيز القدرات الردعية الذاتية لكل دولة عربية، مع الحفاظ على التكامل الإستراتيجي بينها.
ثانيًا، يجب على الدول العربية تطوير سياسة اقتصادية إقليمية تقلل من اعتمادها على العبور عبر الممرات المائية المهددة، من خلال تنويع طرق الإمداد وتعزيز الربط البري والبحري البديل. كما أن تطوير الصناعات العسكرية الوطنية والتكنولوجية المتقدمة يمكن أن يوفر للدول العربية حاجزًا أمنيًا يحميها من التهديدات الخارجية.
ثالثًا، تحتاج الدول العربية إلى تطوير رؤية سياسية موحدة للتعامل مع الملفات الإقليمية الحساسة، كالملف النووي الإيراني، وأزمة الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الرؤية يجب أن تكون قادرة على التكيف مع المتغيرات الداخلية الإيرانية، وتجنب سياسة ردود الفعل التي تفتقر إلى الاستمرارية والتخطيط الإستراتيجي.
رابعًا، يجب تعزيز الحوار الإستراتيجي مع القوى الدولية الفاعلة في المنطقة، كالولايات المتحدة والصين وروسيا والدول الأوروبية، لضمان عدم استغلال الأزمة الإيرانية الداخلية لإعادة رسم الخريطة الإقليمية على حساب المصالح العربية. كما أن تطوير شراكات إستراتيجية مع هذه القوى في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا يمكن أن يعزز مكانة الدول العربية في المعادلة الإقليمية.
وأخيرًا، تحتاج الدول العربية إلى تطوير خطاب إعلامي وسياسي موحد يوضح موقفها من التطورات الإيرانية، بعيدًا عن التصريحات المتباينة التي قد تسبب ارتباكًا على الصعيد الدولي. هذا الخطاب يجب أن يجمع بين التأكيد على حق إيران في الاستقرار الداخلي، والحفاظ على سيادة الدول العربية وأمنها الإقليمي.
إن التحديات التي تطرحها الأزمة الإيرانية الحالية على الدول العربية كبيرة، لكنها ليست مستحيلة. فالتاريخ يخبرنا أن فترات التحول الإقليمي غالبًا ما تكون فرصًا لإعادة ترتيب الأوراق وتعزيز المصالح الوطنية. والشعوب العربية اليوم أكثر وعيًا بخطورة التهديدات الإقليمية، وأكثر إصرارًا على حماية أمنها واستقرارها.
حان الوقت لكي تتحول الدول العربية من حالة رد الفعل إلى حالة الفعل. إذا كانت إيران تشهد اليوم مرحلة من الضعف الداخلي، فإن هذا لا يعني أن التهديدات الإقليمية قد زالت، بل يعني أن الفرصة سانحة للدول العربية لتعزيز أمنها وبناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا وعدالة. الطريق نحو هذا الهدف ليس سهلًا، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية والتخطيط الإستراتيجي والتعاون الإقليمي. فالأمن العربي ليس ترفًا يمكن تأجيله، بل هو ضرورة وجودية لا تحتمل التأخير. والشعوب العربية تنتظر من قادتها أن يتحلوا بالحكمة والشجاعة لقيادة سفينة الأمة نحو برّ الأمان في بحر إقليمي مليء بالأمواج العاتية.
* صحيفة العرب اللندنية
>
