د. ابتسام الكتبي

د. ابتسام الكتبي

تابعنى على

الزعامة الاقليمية ليست فرضاً بل توافقاً

منذ ساعة و 19 دقيقة

الزعامة الإقليمية لا تُفرض بالقوة ولا تُمارس بالهيمنة. إنها نتاج اقتصاد قوي وجاذب، وسياسة رشيدة وقابلة للتنبؤ، وقدرة على تحويل النفوذ إلى مسؤولية لا إلى أداة ضغط. ومن يدرك هذه المعادلة، يفهم أن الطريق إلى الزعامة لا يمر عبر إخضاع الآخرين، بل عبر جعلهم يرون في هذه الزعامة مصلحة مشتركة وخياراً عقلانياً.

الزعامة الإقليمية الحقيقية تبدأ من الاقتصاد. فالدولة القائدة هي التي تشكّل محرّكاً للنمو في محيطها، وتفتح أسواقها، وتربط مصالح جيرانها بمصالحها ضمن معادلة رابح-رابح. الاقتصاد لا يفرض نفسه بالقوة، بل بالجاذبية. وكلما كانت الدولة قادرة على خلق فرص، وتوفير استقرار، وربط الإقليم بشبكات التجارة والاستثمار، زاد استعداد الآخرين للالتفاف حولها طوعاً.

إلى جانب الاقتصاد، تأتي السياسة بوصفها العنصر الحاسم في تحويل النفوذ إلى زعامة. السياسة هنا لا تعني كثرة المبادرات أو ارتفاع النبرة، بل القدرة على إدارة الخلافات، واحتواء التناقضات، وبناء توافقات مرنة. القائد الإقليمي هو من يفهم تعقيدات الإقليم ولا يسعى إلى تبسيطها بالقوة، ومن يعترف بتعدد المصالح بدل محاولة صهرها في رؤية أحادية.

كما أن الزعامة تتطلب درجة عالية من المصداقية. فالدولة التي تغيّر مواقفها بحسب ميزان القوة، أو تستخدم نفوذها بصورة انتقائية، تفقد ثقة محيطها مهما امتلكت من أدوات ضغط. أما الدولة التي تلتزم بقواعد واضحة، وتتصرف باعتبارها عنصر توازن لا طرفاً مهيمناً، فإنها تبني سمعة تجعل دورها مقبولاً حتى لدى من يختلف معها.

في الإقليم، لا تُقاس الزعامة بعدد من يخضع، بل بعدد من يختار التعاون. ولا تُقاس بمدى القدرة على التعطيل، بل بالقدرة على الدفع نحو حلول. الزعامة ليست إعلاناً سياسياً ولا موقعاً يُنتزع، بل مسار طويل من بناء الثقة وتراكم الأدوار الإيجابية.

الزعامة الحقيقية تُبنى على القدرة على الجمع لا التفريق، وعلى تقديم نموذج يُحتذى. الدولة القائدة هي التي يُنظر إليها بوصفها عنصر توازن، لا عنصر توتر؛ وسيطاً موثوقاً، لا طرفاً متغوّلاً؛ وشريكاً يمكن التنبؤ بسلوكه، لا قوة مزاجية تحكمها لحظة غضب أو حساب ضيق. و تُقاس بالقدرة على بناء شبكات مصالح، وإدارة خلافات، وصياغة أطر تعاون، لا بفرض خطوط حمراء لا يعترف بها أحد.

من صفحة الكاتبة على إكس