أنس الخليدي

أنس الخليدي

تابعنى على

صرخة الجوع في ظلال الإمبراطورية قراءة في اقتصاد الموت الحوثي

منذ 52 دقيقة

في زوايا العاصمة صنعاء المظلمة وبين أزقة المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة تتصاعد في الأسابيع الأخيرة أصوات لم تعد تحتمل الصمت، أصوات مواطنين خرجوا بكاميرات هواتفهم الرخيصة ليوثقوا ما عجزت التقارير الدولية عن وصفه، جوع يعصر البطون وعطش يشقق الحلق وانقطاع تام للمرتبات ترك أكثر من مليون ومائتين وخمسين ألف موظف حكومي وأسرهم التي تقدر بنحو سبعة ملايين نسمة، منهم أكثر من ثلاثة ملايين طفل يواجهون مصيرهم بلا سند ولا رجاء. 

هؤلاء المواطنين الذين حرموا من أبسط حقوقهم في العيش الكريم لم يجدوا من يسمع صراخهم إلا أذن صماء تطل عليهم من شاشات التلفاز الرسمي لتقول لهم على لسان القائم بأعمال رئيس حكومة الجماعة محمد مفتاح: اخرجوا اشتغلوا بلاش، ووفروا قيمة باقات الإنترنت، في رسالة تعكس حجم الانفصال التام بين سلطة تنعم بخيرات البلاد وشعب يرزح تحت وطأة مجاعة مفتعلة.

هذه الصرخات اليائسة لم تأتي من فراغ بل هي النتيجة الطبيعية لمنظومة اقتصادية كاملة الأوصاف بنيت على أنقاض الدولة اليمنية وتحولت فيها مؤسساتها السيادية إلى إمبراطورية مالية ضخمة تدر على الجماعة ما لا يقل عن ستة مليارات دولار سنويًا وفقًا لتقديرات منظمات محلية ودولية، بينما تذهب هذه الأموال كلها لتمويل المجهود الحربي وإثراء الصفوة الحاكمة تاركة المواطن يواجه الموت جوعًا وعطشًا.

ولفهم حجم هذه الإمبراطورية، لا بد من الوقوف عند أول أركانها: شبكة الجبايات الداخلية، التي لم تعرف اليمن في تاريخها الحديث مثيلاً لها، فقد كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز المخا للدراسات أن الجماعة أنشأت بحلول عام 2024 أكثر من مائتين وعشرين نقطة جمركية داخلية، منتشرة عبر ما لا يقل عن عشر محافظات في تحول خطير جعلت من كل شارع رئيسي ومنعطف جبلي ومنفذ بري نقطة لابتزاز التجار والمواطنين على حد سواء، وهذه النقاط وحدها تجني سنويًا ما يزيد عن مائة وعشرين مليار ريال يمني، تذهب مباشرة إلى خزائن الجماعة، دون أن تمر على البنك المركزي أو حتى الخزينة العامة، مما رفع كلفة نقل السلع بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمائة، وأحدث تضخم جنوني في الأسعار أنهك كاهل المواطن البسيط.

ولم تتوقف الجبايات عند المنافذ البرية، بل امتدت لتشمل البحر والتجارة الدولية، حيث جمعت الجماعة خلال عام 2024 وحده نحو ملياري دولار من الرسوم والجبايات على السفن التجارية في البحر الأحمر وفقاً لتقارير اقتصادية موثقة، أما على صعيد القطاع الخاص، فقد فرضت على التجار خمس زيادات متتالية في الجبايات خلال عام واحد فقط، تحت مبررات واهية تتراوح بين دعم الإنتاج المحلي وتطبيق المواصفات والمقاييس، وهي لجان ميدانية وهمية أنشأتها الجماعة خصيصًا لابتزاز مالكي الصيدليات والمحلات التجارية، وإجبارهم على دفع إتاوات مالية تحت طائلة التهديد بالسجن والإغلاق، وهذا الابتزاز المنظم دفع عشرات الشركات إلى إغلاق أبوابها، لا سيما في المولات الكبرى بصنعاء ومحافظة إب، حيث كان يجمع من الحوبان وحدها نحو أربعمائة مليار ريال سنوي تذهب كلها لتمويل قيادة الجماعة السلالية والمشرفين وأسرهم بدل من أن تصرف على الخدمات والتنمية.

وإذا كانت الجبايات هي الذراع الظاهرة للنهب، فإن الفساد المؤسسي هو الذراع الخفية التي تنهش جسد اليمن من الداخل. ففي قطاع النفط، كشفت تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن تلاعبات مالية كبرى، تضمنت صفقات مشبوهة وصلت قيمتها إلى ثمانية وخمسين مليون دولار، تورط فيها قيادات حوثية في شراء شحنات وقود عبر ميناء الحديدة، كما أن عائدات السوق السوداء في هذا القطاع وحده تقدر بنحو ثلاثمائة وثمانية عشر مليار ريال تضاف إليها ستمائة مليار ريال من الإيرادات غير الضريبية وخمسة وتسعون مليار ريال من مصادر أخرى، في منظومة فساد متكاملة الأركان، والأدهى من ذلك، أن شركة الذهب الأسود المملوكة للقيادي الحوثي علي قرشة حصلت وحدها على ستمائة ألف دولار من عائدات شركة النفط الرسمية، في نموذج صارخ لكيفية تحويل المال العام إلى ملكية خاصة.

أما قطاع الاتصالات، فقد تحول إلى بقرة حلوب لا تنضب، حيث تضم شركة يمن موبايل وحدها خمسة ملايين وخمسمائة ألف مشترك يستنزفون ليس فقط عبر الرسوم العادية بل أيضاً عبر رسائل نصية ترسل إليهم مرتين شهرياً لطلب التبرع للمجهود الحربي تحت مسميات مختلفة، في ابتزاز علني لا يخجل منه أحد. وقد صرف المدير السابق للشركة عصام الحملي ستة عشر مليار ريال تحت غطاء تأهيل الشبكات، في صفقات مشبوهة لم تسفر عن أي تحسين فعلي في الخدمة، بينما تدهورت البنية التحتية للشبكة بشكل كارثي وأصبحت خدمات الاتصالات تستخدم في التجسس على الناشطين وتعقب المعارضين، في تحول خطير جعل من الهاتف المحمول أداة قمع بدلاً من أن يكون وسيلة تواصل.

من صفحة الكاتب على إكس