صلاح الدين الأسدي

صلاح الدين الأسدي

تابعنى على

الحوثي وإيران.. تحالف الشر الذي دمّر اليمن

منذ 56 دقيقة

منذ أن اجتاحت المليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة إيرانيًا العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، دخل اليمن المرحلة الأخطر في تاريخه الحديث، وشكّل الانقلاب نقطة تحول نقلت القرار السياسي والعسكري في مناطق سيطرة الجماعة من الإطار الوطني إلى فضاء المشروع الإيراني في المنطقة، لتصبح اليمن إحدى أهم ساحات النفوذ التي تستخدمها طهران في صراعاتها الإقليمية.

وعلى امتداد أكثر من أحد عشر عامًا، أصبح الترابط بين التحركات الإيرانية والتصعيد الحوثي واضحًا، فكلما تصاعد التوتر بين إيران والمجتمع الدولي أو مع دول المنطقة، تسارعت الهجمات الحوثية، واتسعت دائرة الاستهداف داخل اليمن، وفي البحر الأحمر، وباتجاه دول الجوار، ويعكس هذا التزامن طبيعة العلاقة بين الطرفين، ويؤكد أن الجماعة تجاوزت حدود الحركة المحلية، وأصبحت أداة ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وتؤكد تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة، ومراكز أبحاث دولية، عمليات تهريب الأسلحة، ونقل التقنيات العسكرية، وتطوير منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى وجود خبرات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أسهمت في رفع القدرات العسكرية للحوثيين، في مخالفة صريحة لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر توريد السلاح إلى الجماعة.

وانعكس هذا الارتهان السياسي والعسكري بصورة مباشرة على اليمنيين، فتراجع الاقتصاد إلى مستويات غير مسبوقة، وتوقفت عجلة التنمية، وتعطلت الاستثمارات، وانقسمت المؤسسات المالية، وفقد مئات الآلاف وظائفهم، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 19 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تكشف الوقائع واقعًا مختلفًا عن الخطاب الذي تروج له الجماعة، فالموظفون حُرموا من رواتبهم لسنوات، والضرائب والإتاوات تضاعفت، والقطاع الخاص تعرض لضغوط مستمرة، وتوجه جانب كبير من الموارد نحو تمويل المجهود الحربي، وتوسيع منظومة التعبئة والتجنيد، وترسيخ اقتصاد الحرب الذي أصبح مصدرًا رئيسيًا لاستمرار نفوذ الجماعة.

واجتماعيًا، تعرض النسيج الوطني لتحديات عميقة، فُرضت تغييرات واسعة على المناهج التعليمية، وأُدخل خطاب طائفي إلى العملية التعليمية، واستُقطب الأطفال إلى معسكرات التجنيد، وفق ما وثقته تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، ومع مرور الوقت تحولت الحرب إلى مشروع دائم يضمن بقاء الجماعة في السلطة، بينما يدفع المجتمع اليمني الثمن جيلًا بعد جيل.

وعلى المستوى الإقليمي، تحول اليمن بفعل سياسات الحوثيين إلى منصة تستخدمها إيران للضغط على خصومها، وأسهمت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، واستهداف خطوط الملاحة الدولية، في اضطراب حركة التجارة العالمية، ودفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وهو ما انعكس على الاقتصاد العالمي، وعلى اليمن الذي يعتمد بصورة كبيرة على حركة الموانئ والتجارة الخارجية.

وأفضت هذه المغامرات العسكرية إلى اتساع عزلة البلاد، وتراجع فرص الاستثمار، وتأخر مشاريع الإعمار، واستمرار معاناة ملايين الأسر الباحثة عن الغذاء والدواء والتعليم والخدمات الأساسية، في وقت انشغلت فيه القيادات الحوثية بخدمة أجندة سياسية تتجاوز حدود اليمن.

وأخطر ما أفرزه المشروع الحوثي مصادرة القرار الوطني، وربط مستقبل اليمن بحسابات القيادة الإيرانية، وأصبح توقيت الحرب والتهدئة، والتصعيد والانكماش، يتأثر بدرجة كبيرة بمسار العلاقات الإيرانية مع القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي أفقد اليمن استقلالية قراره، وجعل مصالح المواطنين في ذيل قائمة الأولويات.

واليمن الذي عُرف عبر تاريخه بأنه مهد الحضارة العربية، وصاحب موقع استراتيجي يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، يستحق مستقبلًا مختلفًا، تستعاد فيه مؤسسات الدولة، ويعود فيه السلاح إلى يد الحكومة، وتُبنى العلاقات الخارجية وفق المصالح الوطنية، بعيدًا عن مشاريع الوكلاء والمحاور.

وأثبتت السنوات الماضية أن المليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة إيرانيًا جلبت لليمن الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية، واستمرار ارتهان قرارها بطهران يعني استمرار استنزاف اليمن لخدمة استراتيجية إيرانية تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر الجماعات المسلحة، فيما يبقى اليمنيون الخاسر الأكبر من هذه السياسات.

ويمثل استعادة الدولة اليمنية، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتجفيف مصادر الدعم الخارجي للمليشيات، الطريق الأقصر لإنهاء معاناة اليمنيين، وإعادة البلاد إلى محيطها العربي، وفتح صفحة جديدة عنوانها الأمن والاستقرار والتنمية، بعد سنوات استنزفت الإنسان والأرض ومقدرات الوطن.