الموجز

حسن الدولةحسن الدولة

الإسلام والدولة الدينية

مقالات

2020-09-24 21:27:07

من الثابت أن الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يرسل حاكما سياسيا، بل رسولا مبلغا وبشيرا ونذيرا، وانه ارسل رحمة للعالمين - بكسر اللام والميم – لينذر من كان حيا، ومن يتبع الذكر، وانه لم يسأل على رسالته اجرا، وإنما اجره كأجر الأنبياء أجمعين على رب العالمين – (قل لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين).

وأن الله لم يعط إنسانا سلطة دينية على أخيه الإنسان مهما علا كعبه في الدين، فقد خاطب الله سبحانه الرسول قائلا (لست عليهم بمسيطر)، وعندما اختاره الناس لدنياهم طالما وقد ارتضاه الله لدينهم، فاستمد شرعيته كحاكم عن طريق البيعة.

كما انه عليه الصلاة والسلام لم يكن حاكما سياسيا بمفهوم العصر، بل كان اشبه بحاكم تراض يختاره المتقاضون لفض النزاع بينهم (فإن اعرضوا فما انت عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ).

وقال له ايضا (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).

ما يدل على أن الاسلام قد فصل بين الديني والدنيوي، وان الرسول الكريم - صلى الله عليه وعلى آله وصحابته - كان ينزل عند رأي الصحابة في امور الدنيا لأن الناس اخبر بشؤون دنياهم.

الإسلام يفرق بين الديني والدنيوى:

فالدين يعمل في الفضاء الشخصي، والدولة تعمل في الفضاء العام، والاشخاص يخضعون للابتلاء في الدنيا وللحساب في الاخرة بينما الدولة لا تخضع للحساب فهي كيان معنوي لا دين لها.

واما دعوى أن الإسلام دين ودولة فهو قول فلم يقل به احد من المسلمين الأقدمين، بل هو قول تفردت به جماعة الإخوان المسلمين الذين رفعوا شعار (الاسلام دين ودولة).

ولذلك نجد أن مناصري الربط بين الدين والدولة، ومنهم الأب الروحي لجماعة "الإخوان المسلمين" سيد قطب، يقولون إن شعار الفصل بينهما عائد بالأصل إلى مفهوم غربي قائم على فصل الكنيسة عن الدولة، فيما الإسلام لم يتأسس، لا من الناحية المفهومية، ولا السياسية على مؤسسة دينية تشبه مؤسسة الكنيسة في المسيحية، بخاصة كنيسة روما.

وبالتالي من المفترض أنه ليس في الإسلام طبقة كهنوتية تشبه طبقة الأكليروس في المسيحية" وليس الجامع من يعين الحاكم ولا توجد ثيوقراطية في الإسلام ولا رهبانية في دين الله.

"لكن معارضي الفكرة يرون أن "عملية التقديس بدأت تتسرب في الثقافة الإسلامية في شكل تنازلي، واختلاف في الدرجة من الله إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فالصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب، وصولاً إلى كبار العلماء والفقهاء.

ولا تتوقف دينية الدولة عند "الإخوان المسلمين" وحسب، فزعيم الجمهورية الإسلامية الإيرانية الراحل الخميني يبدو متوافقا معهم وبخاصة مع سيد قطب، إذ يقول إن "مفهوم فصل الدين عن السياسة قد ألقاه الاستعماريون في أذهان الشعوب".

وبما أن الدولة كيان معنوي لا دين له ولا يخضع للحساب والعقاب فإن الدولة لا تمارس أية سلطة دينية، وأن لا تمارس الكنيسة والجامع والمعبد أية سلطة سياسية أيضاً".

وهذا عين ما ذهب إليه الامام المجدد الأستاذ الإمام محمد عبده الذي قال بأن "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، وكذلك مقولة سعد زغلول الشهيرة أيضاً "الدين لله والوطن للجميع".

والدولة العلمانية الحديثة هي السائدة في العالم اليوم لا تتدخل في الشؤون الدينية ولا تسمح لرجال الدين بالتدخل في الشؤون السياسية ولا تطبق سوى القانون الوضعي".

لأن الدولة الدينية هي التي تضع السلطة والقوة بيد الله، بمعنى الحاكمية لله وحده، وهي النواة الأساسية التي يقوم عليها مشروع الإسلام السياسي، أي الدولة الدينية التي تطبق الحساب والعقاب الأخروي في الدنيا وتحل محل الله، بينما الدين معني بتهيئة الإنسان للحياة الآخرة وتهذيبه في الحياة الدنيا.

الدين حال إيمانية وأخلاقية تعتمد على بُعد غيبي غير قابل للمشاهدة والقياس. تعبّر هذه الحال الإيمانية عن نفسها بشكل أساسي بالعبادة.

لا تملك الدولة مثلاً إعطاء شهادة حسن سيرة وسلوك للإنسان في حال وفاته تشفع له يوم الحساب.

من هنا ربما يحق للدولة التدخل في الخيارات الدنيوية للفرد أو الجماعة، وفقاً لمتطلبات أمن المجتمع والالتزام بمقتضيات النظام، لكن ليس من حق الدولة التدخل في خيارات الفرد الدينية، لأنها لا تملك ضوابط ومعايير هذا التدخل، ولأن مثل هذه التدخل لن يؤثر في كل الأحوال في مآله في الآخرة.

أمر هذا المآل يعود إلى الله وحده علام الغيوب، وإذا ما تدخلت الدولة في هذا الشأن لأي سبب كان فهو تدخل دافعه أو هدفه سياسي أو دنيوي بشكل عام، وليس دافعاً أو هدفاً دينياً.

بل إن هذا التدخل ربما يصطدم بآيات في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: "لست عليهم بمسيطر".. وقوله: "لكم دينكم ولي دين".. وقوله: "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".. وقوله: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".

***

سلوكيات متشابهة ولكن :

الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي مقارنة بالقوميين واليسارين في الوطن العربي أكثر تماسكاً وعمقاً في قناعاتهم الأيديولوجية، لكن مواقفهم السياسية لا تقل ارتباكا وإرباكاً.

فهم في حال حيرة بين ضرورات قناعاتهم الدينية كما تبدو لهم، من ناحية، وبين المتطلبات السياسية للعصر والمرحلة من ناحية أخرى.

هم مع الحرية والتعددية والديموقراطية طالما أنهم خارج الحكم.

عندما وصلوا للحكم في مصر تصرفوا بعكس ذلك، أو بما لا يتكامل معه.

وفي الوقت الذي يقبلون فيه الديموقراطية والتعددية، يرفضون العلمانية.

لا يرون أن في ذلك تناقضاً عميقاً، أو لا يريدون الإضاءة على ذلك كثيراً.

أما الليبراليون فهم لا يقلون ارتباكاً عن الآخرين.

يتعاملون مع مخالفيهم (القوميين واليساريين والإسلاميين) بالذهنية والمنهج ذاتَيهما اللذين بسببهما اختلفوا معهم.. وقد اتضح هذا أخيراً في موقفهم من «الإخوان».

* جمعه نيوزيمن من منشورات للكاتب على صفحته في الفيس بوك

-->