البنك المركزي اليمني ومعركة الحفاظ على الاستقرار النقدي
السياسية - Friday 09 January 2026 الساعة 10:50 am
عدن، نيوزيمن، خاص:
على وقع حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، واجه الاقتصاد اليمني سلسلة من الصدمات التي انعكست في تراجع حاد للنشاط الاقتصادي، وانهيارات متكررة في قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، إلى جانب تضخم متسارع وشح كبير في النقد الأجنبي. وتفاقمت هذه التحديات مع الانقسام النقدي والمؤسسي بين صنعاء وعدن، ما وضع البنك المركزي اليمني أمام اختبار بالغ الصعوبة في الحفاظ على استقرار الريال اليمني ضمن بيئة شديدة التعقيد.
ووفقًا لتقارير البنك الدولي، شهد الريال اليمني خلال النصف الأول من عام 2025 انخفاضًا حادًا في قيمته، حيث بلغ مستويات قياسية في سوق عدن، قبل أن تسهم الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي لاحقًا في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي والتحسن المحدود مقارنة بذروة التدهور، في مؤشر على فعالية التدخلات النقدية رغم محدودية الأدوات المتاحة.
تغيرات المشهد السياسي
شهدت المناطق الشرقية من البلاد خلال الفترة الماضية تطورات متسارعة ألقت بظلالها على المشهدين السياسي والأمني، وانعكست بصورة مباشرة على البيئة الاقتصادية العامة. فقد انتهت تلك الأحداث بسيطرة ما يُعرف بقوات “درع الوطن” على عدد من المحافظات الشرقية وصولًا إلى مدينة عدن.
في هذا السياق، وجد البنك المركزي نفسه أمام تحديات مضاعفة، بين شح الإيرادات وتراجع الدعم الخارجي من جهة، وضغوط سياسية ولوجستية ناتجة عن الانقسام المؤسسي من جهة أخرى. وأسهم وجود سلطتين نقديتين منفصلتين في عدن وصنعاء في تعميق أزمة الثقة داخل النظام المصرفي، وفتح المجال واسعًا أمام المضاربات على العملات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى تذبذب حاد في أسعار الصرف.
إجراءات فاعلة وتأكيد الحيادية
خلال الفترة الماضية، ركزت قيادة البنك المركزي على تبني حزمة من الإجراءات التنظيمية الهادفة إلى ضبط السوق النقدية، من خلال تشكيل لجان متخصصة لتمويل الاستيراد وتنظيم الطلب على العملات الأجنبية، بما يخفف الضغط على الاحتياطيات المحدودة. كما اتخذ البنك إجراءات صارمة بحق عدد من شركات الصرافة المخالفة، تمثلت في سحب تراخيصها، ما ساعد على الحد من الاختلالات والممارسات غير المنضبطة.
وفي اجتماعه الختامي لدورته العاشرة، جدد مجلس إدارة البنك تأكيده الالتزام بأداء مهامه القانونية تجاه المواطنين والمؤسسات المصرفية والجهات الحكومية بكل حيادية ومهنية، رغم التصعيد القائم في بعض المحافظات. كما ناقش المجلس مشروع موازنة البنك للعام 2026 بعد إدخال التعديلات اللازمة، واستعرض التطورات المالية والاقتصادية، وموقف الاحتياطيات والالتزامات المحلية والدولية خلال عام 2025.

دعم دولي
بالتوازي مع التحديات الداخلية، برز الحراك الدولي الأخير كعامل دعم مهم عزز من موقع البنك المركزي ورسخ استقلالية دوره المهني. فقد أكدت مواقف سفراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، أن أي استقرار اقتصادي في اليمن يظل مرتبطًا بوجود بنك مركزي مستقل وقادر على إدارة السياسة النقدية بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
وعكست هذه المواقف ثقة دولية متزايدة بجهود قيادة البنك في الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن المالي، رغم بيئة بالغة التعقيد. كما وفّر هذا الدعم الدولي غطاءً معنويًا مهمًا مكّن البنك من مواجهة الضغوط ومحاولات التشكيك في أدائه، وعزز صورته كمؤسسة سيادية موثوقة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على علاقاته مع النظام المالي العالمي، ويضمن استمرار التدفقات المالية اللازمة لتأمين السلع الأساسية وتسهيل عمليات الاستيراد.
وعلى الصعيد المؤسسي، تشير اجتماعات مجلس إدارة البنك الأخيرة إلى استمرار العمل وفق نهج مؤسسي منظم، بعيدًا عن ردود الفعل الظرفية، من خلال مناقشة ملفات تتعلق بالوضع المالي والاقتصادي العام، وخطط عام 2026، ومراجعة الموازنات والاحتياطيات، إلى جانب إعادة تنظيم المعهد المصرفي وتفعيل لجان الرقابة والمشتريات، بما يعزز متانة البنك في مواجهة المرحلة المقبلة.
>
