عودة حذرة للملاحة في البحر الأحمر وسط تهديدات أمنية مستمرة
السياسية - منذ ساعة و 48 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن، خاص:
تشهد حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر مؤشرات عودة حذرة ومحدودة، تعكس توازنًا دقيقًا بين آمال شركات الشحن العالمية في استعادة أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وبين واقع أمني مضطرب لا يزال يفرض نفسه بقوة، في ظل استمرار التهديدات التي تشكّلها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، إلى جانب مخاطر القرصنة الصومالية والتحديات السيبرانية المتصاعدة.
وأعلنت شركة الشحن الدنماركية العملاقة "ميرسك" نجاح سفينة جديدة تابعة لها في الإبحار الآمن عبر مضيق باب المندب ودخول البحر الأحمر، في خطوة وُصفت بأنها اختبار عملي لإمكانية استئناف الملاحة تدريجيًا عبر هذا الممر الحيوي، بعد تهدئة نسبية أعقبت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والذي أسهم في خفض مستوى التوترات الإقليمية، دون أن يبدد المخاوف الأمنية بالكامل.
وأوضحت ميرسك، في بيان رسمي، أن سفينة "ميرسك دنفر" التي ترفع علم الولايات المتحدة، والعاملة ضمن الرحلة رقم 552W على خدمة MECL، عبرت بين يومي 11 و12 يناير 2026 مضيق باب المندب ودخلت البحر الأحمر بنجاح، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي في إطار نهج حذر يعتمد على تقييم مستمر للمخاطر الأمنية قبل اتخاذ أي قرارات أوسع تتعلق باستئناف حركة الشحن المنتظمة عبر قناة السويس والبحر الأحمر، مشددة في الوقت ذاته على أنه لا توجد رحلات إضافية معلن عنها في المرحلة الراهنة.
ورغم هذا التطور، لا تزال البيئة الأمنية في البحر الأحمر شديدة التعقيد، حيث تواجه الملاحة الدولية تهديدات مزدوجة تشمل الهجمات الحوثية المتكررة التي تستهدف السفن التجارية، والقرصنة الصومالية التي عادت للظهور مستفيدة من حالة الفوضى الأمنية، فضلًا عن تحديات حديثة تتعلق بالهجمات السيبرانية التي تطال أنظمة الموانئ وإدارة السفن، ما يزيد من هشاشة سلاسل الإمداد العالمية ويضاعف تكاليف التأمين والشحن.
وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن قطاع الشحن البحري أظهر قدرًا عاليًا من المرونة في مواجهة التوترات الجيوسياسية، غير أنها تشدد في الوقت نفسه على أن هذه المرونة لا ينبغي أن تحجب خطورة التهديدات المستمرة، مؤكدة أن سلامة وأمن الملاحة البحرية يشكلان ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي والتنمية البحرية المستدامة وسبل عيش ملايين العاملين في هذا القطاع.
وتتجاوز التحديات الأمنية في البحر الأحمر إطار القرصنة التقليدية، لتشمل هجمات غير مشروعة على حرية الملاحة الدولية، وانتهاكات واضحة للقانون الدولي، إضافة إلى أنشطة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والعمليات الاحتيالية العابرة للحدود، وهي عوامل تهدد بتقويض المنظومة الدولية المعمول بها لضمان أمن وسلامة السفن التجارية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وفي محاولة لاحتواء هذه المخاطر، تواصل بعثة "أسبيدس" البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي دورها الأمني في المنطقة، حيث أعلنت نجاحها في تأمين مرور أكثر من 1440 سفينة تجارية عبر البحر الأحمر قبالة السواحل الغربية لليمن منذ انطلاق عملياتها في فبراير 2024، مؤكدة أن وحداتها البحرية وفرت حماية مباشرة ودعمًا ميدانيًا للسفن العابرة.
كما كشفت البعثة عن تحييد 19 طائرة مسيّرة وزورقين مسيّرين وأربعة صواريخ باليستية كانت تشكل تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب تنفيذ أربع عمليات بحث وإنقاذ أسفرت عن إنقاذ 93 بحارًا، في دلالة على البعد الإنساني المرافق لجهودها العسكرية والأمنية.
من جانبه، يرى الكاتب الصحفي المصري محمد حسن عامر أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر يمثل قضية بالغة الأهمية، نظرًا لتأثيره المباشر على نحو 13 في المئة من حجم التجارة العالمية، موضحًا أن تداعيات هذا التهديد لا تقتصر على مصر أو دول الإقليم، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، ما يجعل من أمن البحر الأحمر ملفًا مشتركًا بين دول المنطقة والاتحاد الأوروبي والقوى الدولية الكبرى.
ويؤكد عامر أن استعادة الاستقرار الملاحي تمر عبر معالجة جذور الأزمات في الدول المطلة على البحر الأحمر، وعلى رأسها اليمن والصومال، وتهدئة الأوضاع السياسية والعسكرية، مشيرًا إلى أن وقف الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي يُعد عاملًا حاسمًا في إعادة الثقة لشركات الشحن العالمية.
كما شدد على ضرورة ممارسة ضغوط أوروبية فاعلة لاحتواء السياسات والتطورات التي تغذي التصعيد الإقليمي، محذرًا من أن أي خطوات أحادية من شأنها تأجيج النزاعات الجيوسياسية في منطقة مشتعلة بطبيعتها قد تعرقل أي مساعٍ لإعادة الاستقرار إلى هذا الشريان البحري الحيوي.
وبينما تعكس عودة بعض السفن التجارية، وعلى رأسها سفن "ميرسك"، إشارات أولية على انفتاح محدود في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، فإن المشهد العام يؤكد أن هذه العودة لا تزال مشروطة وحذرة، وترتبط بشكل وثيق بتطورات المشهدين الأمني والسياسي في المنطقة، ما يجعل من استعادة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية مسارًا طويلًا يتطلب تنسيقًا دوليًا وضمانات أمنية مستدامة، تتجاوز الحلول المؤقتة والاختبارات المحدودة.
>
