تفكيك سجون الإخوان السرية في تعز.. اختبار حقيقي لتنفيذ توجهات الرئاسي

السياسية - منذ ساعة و 41 دقيقة
تعز، نيوزيمن، خاص:

أعاد تحرّك السلطات القضائية في اليمن، لتنفيذ التوجيهات الرئاسية الخاصة بإغلاق السجون ومراكز الاحتجاز الخارجة عن إطار القانون، فتح واحد من أكثر الملفات الإنسانية حساسية وتعقيدًا في البلد الذي شهد تنام كبير في أعداد السجون والمعتقلات السرية التي تديرها أطرفها مسلحة في مناطق سيطرتها.

ومع بدء النيابة العامة اتخاذ إجراءات ميدانية لحصر وإغلاق أماكن الاحتجاز غير القانونية، تعود آمال عشرات الأسر التي لا تزال تبحث عن مصير أبنائها المختطفين والمخفيين قسرًا في تعز ولحج، بعد سنوات من الغياب القسري والإنكار الرسمي. 

ويصف ذوو المختطفين هذه الخطوة، رغم تأخرها، بأنها بارقة أمل طال انتظارها، خصوصًا في ظل توثيق حالات وفاة لمعتقلين قضوا تحت التعذيب داخل تلك السجون، دون تسليم جثامينهم لعائلاتهم أو تمكينهم من معرفة مصير أبنائهم، في انتهاك واضح للقانون اليمني وللمواثيق الدولية التي تجرّم الإخفاء القسري والتعذيب باعتبارهما من أخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

مصدر قضائي أكد أن النيابة العامة باشرت تنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، والتي تقضي بإغلاق السجون ومراكز الاحتجاز غير الشرعية، والإفراج عن المحتجزين خارج إطار القانون، أو نقل من لديهم قضايا إلى السجون الرسمية الخاضعة لإشراف النيابة. 

وأوضح المصدر أن النائب العام القاضي قاهر مصطفى وجّه رؤساء النيابات وشعبة السجون بالنزول الميداني الفوري لتفتيش أماكن التوقيف، وإغلاق كافة المواقع غير المعتمدة، وتحديد المسؤولية القانونية عن أي احتجاز تعسفي، في خطوة تهدف إلى استعادة هيبة القانون ووقف النزيف الإنساني المستمر.

 هذا التحرك القضائي يضع ملف السجون التابعة للقوات الإخوانية في تعز تحت مجهر المساءلة، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن هذه المعتقلات تعمل منذ سنوات كمنظومة موازية لمنظومة الدولة، حيث يتم احتجاز مدنيين وعسكريين دون أوامر قضائية، ويُمنعون من التواصل مع ذويهم أو محاميهم، ويتعرضون لمعاملة قاسية تشمل التعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من الرعاية الصحية والغذائية، وسط تجاهل متكرر لتوجيهات النيابة والسلطة القضائية.

ويبرز في هذا السياق سجن اللواء الرابع مشاة جبلي التابع لمحور طور الباحة، والذي يشرف عليه القيادي الإخواني أبوبكر الجبولي، كأحد أبرز السجون الخاصة التي تعمل خارج أي إطار قانوني أو مؤسسي. ووفق مصادر حقوقية، يحتجز هذا السجن عددًا من المدنيين منذ سنوات دون أي مسوغ قانوني، بينهم قُصّر، في ظروف احتجاز بالغة السوء، حيث يُمنع المحتجزون من الزيارات، ويتعرضون لضغوط نفسية مستمرة، ويُحتجزون في بيئة تفتقر لأدنى مقومات السلامة الإنسانية.

وأكدت وثائق رسمية أن أوامر قضائية صدرت سابقًا بنقل عدد من المحتجزين إلى سجون رسمية في عدن وتعز، إلا أن هذه التوجيهات قوبلت بالتجاهل، في تحدٍ مباشر للسلطة القضائية وتقويض واضح لسيادة القانون.

وتحمل هذه الانتهاكات بعدًا إنسانيًا بالغ القسوة، لا يقتصر على الضحايا داخل الزنازين، بل يمتد إلى عائلاتهم التي تعيش حالة مستمرة من القلق والانتظار، وسط غياب أي معلومات رسمية عن مصير أبنائها. 

وتقول أسر مختطفين إن احتجاجات الأمهات والذوي، والإضرابات التي نفذها بعض المعتقلين عن الطعام داخل السجون، كانت من بين الوسائل القليلة التي حاولوا من خلالها كسر جدار الصمت، والضغط باتجاه تحرك قضائي يكشف الحقيقة ويضع حدًا لهذه الممارسات.

ويرى حقوقيون ومراقبون أن استمرار السجون السرية في تعز يعكس خللًا عميقًا في بنية السلطة المحلية والأمنية، حيث جرى توظيف القوة العسكرية خارج إطار الدولة لتصفية حسابات سياسية واجتماعية، وتحويل المعسكرات إلى فضاءات مغلقة لانتهاك الحقوق، ما أسهم في تقويض الثقة بالمؤسسات الرسمية، وزيادة الاحتقان الاجتماعي، وتهديد السلم الأهلي في المحافظة. 

ويؤكد هؤلاء أن معالجة هذا الملف لا تقتصر على إغلاق السجون فحسب، بل تتطلب تحقيقات مستقلة وشفافة، وكشف مصير جميع المخفيين قسرًا، وضمان محاسبة المتورطين في جرائم التعذيب والاحتجاز التعسفي، دون استثناء أو حصانة.

ويُنظر إلى التوجيهات الرئاسية والتحركات القضائية الجارية باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الدولة في فرض سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان، إذ إن إنهاء ظاهرة السجون السرية ومحاسبة المسؤولين عنها لا يمثل فقط استجابة لمعاناة الضحايا وأسرهم، بل يشكل خطوة أساسية نحو استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وتعزيز الاستقرار في تعز، ووضع حد لسنوات من الانتهاكات التي تركت آثارًا إنسانية واجتماعية عميقة لا يمكن تجاوزها دون عدالة ومساءلة حقيقية.