تحليل: اليمن في قلب التحولات الإقليمية بعد تراجع إيران
السياسية - منذ ساعتان و 50 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
دخل الشرق الأوسط عام 2026 على إيقاع تصاعد نزاعات كانت كامنة لسنوات، مدفوعة بتراجع النفوذ الإقليمي لإيران بعد عام 2025، وهو تراجع فتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى، وخلق فراغًا استراتيجيًا تسعى أطراف إقليمية ومحلية إلى ملئه.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة العرب اللندنية، فإن هذا التحول لم يؤدِّ إلى تهدئة المنطقة، بل أطلق موجة جديدة من الصراعات منخفضة الحدة، مرشحة للتوسع في اليمن وسوريا ولبنان، مع استمرار بؤر توتر أخرى في غزة والسودان وليبيا.
مع بداية العام الجديد، شهدت المنطقة اندلاع صراعات ظلت مجمدة لفترات طويلة، من بينها مواجهات في اليمن وسوريا، إلى جانب تصاعد الاحتجاجات الداخلية في إيران. وفي الوقت ذاته، لا تزال النزاعات غير المحسومة في غزة وجنوب لبنان بين إسرائيل وكل من حركتي حماس وحزب الله، تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، مع غياب حلول سياسية نهائية قادرة على إنهاء جذور الصراع.
ويرى محللون أن المشترك بين هذه النزاعات يتمثل في غياب سلطة مركزية قوية، وتراجع نفوذ القوى التقليدية التي كانت تمسك بخيوط التوازن الإقليمي، وفي مقدمتها إيران.
يُعد اليمن أحد أبرز نماذج الصراعات المركبة في المنطقة، إذ تتداخل فيه الأبعاد المحلية والإقليمية. فالبلاد منقسمة بين مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وقوى سياسية وعسكرية تحظى بدعم تحالف تقوده السعودية. وبحسب التحليل، انفجر الصراع مجددًا في أواخر ديسمبر 2025 مع اندلاع مواجهات بين المجلس الانتقالي الجنوبي ومجلس القيادة الرئاسي، ما أضاف بُعدًا جديدًا للصراع القائم.
ورغم أن مجلس القيادة الرئاسي بات في موقع أقوى نسبيًا باعتباره الحكومة المعترف بها دوليًا، فإن أياً من الأطراف لا يمتلك القدرة على السيطرة على كامل البلاد. ويحذر محللون من أن استمرار الصدام بين القوى المناهضة للحوثيين قد يؤدي إلى إضعافها معًا، ما يمنح الحوثيين فرصة لتعزيز نفوذهم في شمال اليمن الجبلي.
وأثبت الحوثيون خلال العقد الماضي قدرتهم على تهديد أمن المنطقة، من خلال استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وشن هجمات على السعودية وإسرائيل. غير أن التحليل يشير إلى أن تراجع الدور الإيراني بعد المواجهات مع إسرائيل في عام 2025 قد يحدّ من قدرة طهران على توفير الدعم العسكري والمالي لحلفائها، وهو ما قد يدفع الحوثيين إلى تبني استراتيجيات أكثر عدوانية لتعويض هذا النقص.
ويرى الباحث سيث ج. فرانتزمان، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال إنترست الأميركية، أن كثيرًا من النزاعات منخفضة الحدة في الشرق الأوسط نشأت نتيجة هذا التراجع الإيراني، حيث تحاول قوى أخرى ملء الفراغ الناتج عنه.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه إيران منذ ديسمبر 2025 موجة احتجاجات جديدة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتراجع قدرتها على فرض نفوذها الإقليمي. ويشير التحليل إلى أن النظام الإيراني، الذي اعتاد احتواء الاحتجاجات ثم قمعها، بات اليوم أضعف من ذي قبل، ما شجّع قوى معارضة متعددة، من بينها جماعات كردية، إضافة إلى تحركات سياسية يقودها ولي العهد السابق رضا بهلوي من المنفى.
هذا الوضع الداخلي يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، ويضعف قدرة طهران على لعب دور “الضابط” للصراعات التي كانت تمسك بخيوطها سابقًا.
في سوريا، لا يزال الصراع يتفاعل بوتيرة منخفضة، مع اشتباكات متفرقة بين القوات الحكومية والقوات الكردية في مدينة حلب، هددت بالتحول إلى مواجهة أوسع. وقد أسفرت هذه الاشتباكات، بحسب التقارير، عن مقتل 22 شخصًا خلال أسبوع واحد، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة دعم محادثات غير مباشرة بين إسرائيل وسوريا لإنشاء آلية تفاهم تخفف من التوترات.
ويرى مراقبون أن عام 2026 قد يشكل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية الانتقال نحو تفاهمات محدودة بين دمشق وتل أبيب، تفتح الباب أمام قدر من الاستقرار، دون الوصول إلى تطبيع كامل.
في غزة، لا يزال وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي هشًا، وسط محاولات أميركية لإطلاق مسار جديد للحكم في القطاع، يتضمن نزع سلاح حركة حماس وإعادة الإعمار. غير أن رفض حماس التخلي عن سلاحها، وغياب توافق إقليمي حول نشر قوة دولية، يُبقي القطاع في حالة جمود سياسي وأمني.
أما في جنوب لبنان، فرغم وقف إطلاق النار المعلن في نوفمبر 2024، لا تزال إسرائيل تنفذ غارات جوية بذريعة خروقات حزب الله، في ظل غياب آلية واضحة لنزع سلاح الحزب، ما يجعل احتمالات التصعيد قائمة.
خلص تحليل العرب اللندنية إلى أن عام 2026 سيكون عامًا تفاوضيًا بامتياز، تسعى خلاله دول المنطقة، بدعم أميركي، إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتوازناته الجديدة. لكن المفارقة، بحسب التحليل، أن هذه النزاعات تضع شركاء محتملين في مواجهة بعضهم البعض، في وقت يتراجع فيه التهديد الإيراني المشترك، ما يجعل مسار الاستقرار أكثر تعقيدًا، ويترك المنطقة أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات.
>
