ملف السجون الإخوانية في تعز.. اختبار حقيقي لهيبة الدولة وإنفاذ القانون
السياسية - منذ ساعتان و 24 دقيقة
تعز، نيوزيمن، خاص:
عاد ملف السجون غير القانونية في محافظة تعز إلى الواجهة مجددًا، بعد كشف وزيرة الشؤون القانونية وعضو اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، القاضية إشراق المقطري، عن منع فريق اللجنة من زيارة سجون تابعة للواء الرابع مشاة جبلي في طور الباحة والشمايتين، في واقعة أثارت جدلاً واسعًا حول مدى الالتزام بقرارات إغلاق المعتقلات الخارجة عن إطار القانون في المناطق المحررة.
وكانت المقطري قد أكدت في تغريدة أن ملف إغلاق السجون غير القانونية يمثل أولوية لحماية الحريات وإنفاذ القانون، ويعد رسالة جوهرية لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، غير أنها كشفت عن قيام قائد اللواء الرابع مشاة جبلي، قائد محور طور الباحة الموالي لحزب الإصلاح الإخواني، أبوبكر الجبولي، بمنع فريق اللجنة من أداء مهامه، رغم وجود توجيهات صريحة صادرة عن رئاسة هيئة الأركان العامة تقضي بالتعاون الكامل وتسهيل مهام التحقيق.
محاولة لطمس الحقيقة
وبحسب ما ورد، فإن المنع حال دون التحقيق في وقائع اعتقال وإخفاء 42 شخصًا من أبناء عزل وقرى المقاطرة والشمايتين، بعضهم محتجز منذ أكثر من ثلاث سنوات دون أوامر قضائية أو مسوغ قانوني، ما يضع القضية في إطار الاشتباه بوجود حالات احتجاز تعسفي وإخفاء قسري.
وفي هذا السياق، شدد الناشط الحقوقي ماهر العبسي، عضو اللجنة الوطنية للتحقيق، على أن إغلاق السجون غير القانونية ليس إجراءً إداريًا فحسب، بل ركيزة أساسية لحماية الحريات وإنفاذ القانون، وامتثال مباشر للتوجيهات الرئاسية القاضية بإغلاق كافة المعتقلات الخارجة عن القانون.
وأوضح العبسي أن منع اللجنة من دخول السجون التابعة للواء الرابع مشاة جبلي يمثل عرقلة واضحة لسير العدالة، ويقوض جهود إنصاف الضحايا، خصوصًا في ظل وجود توجيهات عسكرية ملزمة صادرة عن رئيس هيئة الأركان بالتعاون مع اللجنة وتمكينها من أداء مهامها. وأكد أن استمرار مثل هذه التصرفات يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بتنفيذ الأوامر العسكرية واحترام سيادة القانون.
من جانبه، طرح الكاتب الصحفي ماجد الداعري تساؤلات حادة بشأن تداعيات الواقعة على مستوى الانضباط العسكري، قائلاً إنه إذا كان قائد محور طور الباحة يرفض تنفيذ توجيهات رئيس هيئة الأركان، فمن الذي يمكنه الالتزام بهذه التوجيهات في بقية المحاور والمناطق العسكرية؟
وأشار الداعري إلى أن الوثيقة الموجهة إلى وزيرة الشؤون القانونية تؤكد رفض قيادات عسكرية تمكين اللجنة الوطنية من دخول السجون والاطلاع على أوضاع عشرات المعتقلين، معتبرًا أن ما يحدث لا يمثل مجرد خلاف إداري، بل يعكس خللاً عميقًا في بنية السلطة العسكرية في المناطق المحررة، ويهدد مصداقية الدولة في ملف حقوق الإنسان. كما لفت إلى أن بروز ملف السجون السرية في هذا السياق يضع مختلف الأطراف السياسية أمام مسؤولية مراجعة مواقفها السابقة من قضايا الاحتجاز خارج القانون.
اتهامات بتمرد على قرارات الدولة
وفي قراءة أكثر تصعيدًا، وسّع الناشط سليم المقطري توصيفه لما يحدث في طور الباحة، معتبرًا أن المسألة لم تعد مجرد خلاف إداري أو تأخير في تنفيذ توجيهات، بل تعكس – بحسب قوله – نمطًا خطيرًا من التمرد الصريح على قرارات القيادة السياسية والعسكرية، وضربًا مباشرًا لمبدأ وحدة القرار داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح أن منع لجنة وطنية رسمية مخولة بالتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان من أداء مهامها، رغم صدور توجيهات واضحة بالتعاون معها، يكشف عن وجود مراكز نفوذ تتصرف باعتبارها سلطة فوق المساءلة، وتدير ملفات الاحتجاز بمعزل عن القضاء والرقابة المؤسسية.
>> وزير الشؤون القانونية تكشف منع لجنة التحقيق من دخول سجون سرية تابعة للإخوان
وأشار المقطري إلى أن استمرار احتجاز عشرات المدنيين لسنوات دون أوامر قضائية أو إحالتهم إلى جهات مختصة يكرّس واقعًا مقلقًا تتداخل فيه الصلاحيات الأمنية بالعسكرية خارج الأطر القانونية، ما يفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة تمس جوهر الحقوق الدستورية للمواطنين، وفي مقدمتها الحق في الحرية والمحاكمة العادلة. وأضاف أن حرمان الجهات الرقابية من الوصول إلى المحتجزين، ومنع أسرهم من الاطمئنان عليهم أو التواصل معهم، لا يضاعف فقط من معاناة العائلات التي تعيش قلقًا دائمًا على مصير أبنائها، بل ينسف أيضًا ما تبقى من ثقة بالمؤسسات الرسمية وقدرتها على فرض القانون بعدالة وشفافية.
وأكد أن خطورة المشهد لا تكمن في وجود سجون غير قانونية فحسب، بل في ما تمثله من نموذج لسلطة موازية تنمو داخل بنية الدولة، وتتعامل مع التوجيهات الرئاسية والعسكرية باعتبارها خيارات قابلة للتجاهل، وهو ما يهدد بتآكل هيبة الدولة وتقويض مبدأ خضوع الجميع للقانون. وطالب المقطري بتدخل حاسم يعيد ضبط العلاقة بين الوحدات العسكرية والقيادة العليا، ويضمن إغلاق كافة مرافق الاحتجاز الخارجة عن الإطار القانوني، وإخضاعها لإشراف القضاء، مؤكدًا أن استعادة الاعتبار لسيادة القانون لا يمكن أن تتحقق دون مساءلة واضحة، وتأكيد عملي أن لا جهة، أياً كان موقعها، تعلو فوق الدولة ومؤسساتها.
اختبار حقيقي لسيادة القانون
وتأتي هذه التطورات في ظل توجيهات رئاسية سابقة تقضي بإغلاق السجون غير الرسمية، ونقل المحتجزين إلى مرافق تخضع لإشراف السلطة القضائية. ويرى مراقبون أن التعامل مع هذه القضية سيشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على فرض سيادة القانون داخل المناطق المحررة، وضبط أداء التشكيلات العسكرية، وضمان عدم تحولها إلى مراكز احتجاز موازية خارج إطار المؤسسات.
ويؤكد حقوقيون أن معالجة الملف لا تقتصر على فتح أبواب السجون أمام لجان التحقيق، بل تستوجب تحقيقات شفافة ومستقلة، وكشف مصير جميع المحتجزين، وضمان محاسبة أي جهة يثبت تورطها في احتجاز تعسفي أو إخفاء قسري، باعتبار أن العدالة وحدها هي المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة المواطنين، وتعزيز الاستقرار، ووضع حد لسنوات من الانتهاكات التي ألقت بظلالها على المشهد الحقوقي في تعز.
>
