مجسم إسمنتي وعدالة مؤجلة.. قضية إفتهان المشهري في دهاليز المماطلة

السياسية - Tuesday 17 February 2026 الساعة 11:50 pm
تعز، نيوزيمن، خاص:

بعد أشهر على اغتيال مديرة صندوق النظافة والتحسين بمحافظة تعز إفتهان المشهري في 18 سبتمبر من العام الماضي، لا تزال قضيتها تراوح مكانها وسط اتهامات باستمرار تجاهل السلطة المحلية والجهات النيابية والقضائية لمناشدات أسرتها وهيئة الدفاع عنها لتحريك الملف والفصل فيه. وفي مقابل هذا الجمود، سارعت الجهات ذاتها إلى إنشاء مجسم في إحدى جولات المدينة أُطلق عليه اسم "افتهان"، دون الإشارة إلى صفتها أو وصفها بـ"الشهيدة"، ما أثار موجة انتقادات واسعة.

القضية التي هزت الرأي العام اليمني وحظيت باستنكار محلي ودولي، ما تزال – بحسب مقربين من الأسرة وناشطين – حبيسة الإجراءات البطيئة، في وقت تشير فيه الاتهامات الرسمية والمثبته بالقضية إلى تورط قيادات عسكرية موالية لحزب الإصلاح في الحادثة. ويرى منتقدون أن إنجاز مشروع تجميلي في موقع الجريمة لا يمكن أن يكون بديلاً عن إنفاذ القانون، معتبرين أن العدالة أولى من أي تخليد رمزي للاسم.

نصب بملايين الريالات.. والجدل يتسع

أوضح فرع مكتب الأشغال العامة والطرق بمديرية القاهرة أن التكلفة الفعلية للنصب التذكاري الذي أُقيم في موقع اغتيال إفتهان المشهري بلغت 12 مليون ريال، نافيًا ما تم تداوله عن وصولها إلى 241 مليون ريال، ومؤكدًا أن الرقم الأخير يخص حزمة مشاريع متكاملة تتضمن إعادة تأهيل وسفلتة خمسة شوارع رئيسية إلى جانب إنشاء النصب. وشدد البيان على الالتزام بالشفافية والمساءلة، داعيًا إلى تحري الدقة في تداول المعلومات.

غير أن هذا التوضيح لم يُطفئ موجة الانتقادات، بل وسّع دائرة النقاش من مسألة الأرقام إلى سؤال الأولويات. فمنتقدون يرون أن الجدل لا يتعلق فقط بحجم المبلغ، سواء كان 12 مليونًا أو أكثر، بل بطبيعة الإنفاق ذاته في مدينة تعاني من تدهور في الخدمات الأساسية، من طرق متهالكة، وانقطاعات متكررة، وضعف في البنية التحتية. ويقول ناشطون إن أي إنفاق من الإيرادات المحلية يجب أن يخضع لمعيار الضرورة والاستعجال، متسائلين عمّا إذا كان إنشاء مجسم تجميلي يتقدم فعليًا على احتياجات خدمية ملحّة تمس حياة المواطنين اليومية.

كما يتركز جانب كبير من الاعتراضات على الرسالة الرمزية للنصب. فبحسب متابعين، فإن المجسم لا يعكس طبيعة الجريمة التي وقعت في المكان، ولا يقدّم تعريفًا واضحًا بالشخصية التي يُفترض أنه يخلّدها. وقد اعتُبر الاكتفاء باسم "جولة افتهان" دون ذكر الاسم الكامل أو الصفة الوظيفية أو الإشارة إلى كونها ضحية اغتيال، نوعًا من الاختزال المخلّ الذي يفرغ الفكرة من مضمونها. ويرى منتقدون أن تخليد الذكرى لا يكون بتركيب مجسم صامت، بل بتوثيق واضح يحفظ السياق ويصون الذاكرة العامة.

وتصاعد الاستياء الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثيرون عن استغرابهم من إنجاز مشروع بهذا الطابع الرمزي في وقت لم تُحسم فيه القضية قضائيًا. واعتبر الناشط إيهاب السامعي أن طريقة إخراج النصب تمثل إساءة لذكرى المشهري، متسائلًا عن سبب غياب أي إشارة واضحة إلى صفتها أو إلى ملابسات اغتيالها، وما إذا كان ذلك يعكس محاولة لفصل الاسم عن القضية ذاتها.

ويذهب بعض المنتقدين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن التخليد الشكلي في ظل تعثر العدالة يُفسَّر على أنه محاولة لامتصاص الغضب العام أكثر من كونه وفاءً لذكرى الضحية. ويؤكدون أن التكريم الحقيقي يبدأ بتحقيق منجز قضائي واضح ومحاسبة المتورطين، ثم توثيق الحدث بشكل يحترم الحقيقة كاملة، عبر نصب يذكر الاسم الكامل، والمنصب، وتاريخ الاغتيال، ويضع الحدث في سياقه، بما يحفظ كرامة الضحية ويعزز ثقة المجتمع بأن الذاكرة لا تُدار بمعزل عن العدالة.

تمييع القضية وقرار إفراج مثير للجدل

على الصعيد القضائي، أثار قرار رئيس الشعبة الجزائية الأولى في تعز الإفراج عن المشتبه به الرئيسي في القضية، محمد سعيد المخلافي، وهو قيادي عسكري وشقيق القيادي الإصلاحي البارز حمود المخلافي جدلًا واسعًا، بعد صدوره – وفق مصادر قضائية – بصورة منفردة ودون حضور بقية أعضاء الشعبة أو وجود مسودة قرار مسبب. وأشارت المصادر إلى أن جلسة النظر في القضية لم تكن مدرجة في جدول المحكمة لذلك اليوم، وأن اسم المتهم أُضيف إلى الكشف بخط اليد لاحقًا.

هذا الإجراء قوبل باعتراض من أحد أعضاء النيابة الذي أكد عدم جواز إصدار قرار بالإفراج في غياب أعضاء الشعبة، معتبرًا أن ذلك يخالف الأصول القانونية. واعتبر حقوقيون أن ما جرى يعكس خللًا إجرائيًا خطيرًا في قضية رأي عام، ويعزز المخاوف من استمرار ما يصفونه بـ"تمييع القضية".

وتؤكد أسرة المشهري في بلاغات رسمية وجهتها إلى جهات عليا، بينها النيابة العامة ورئاسة الوزراء ووزارة الداخلية، أن إجراءات التقاضي تسير ببطء شديد، وأن التأخر في ضبط المتهمين يشكل خطرًا على العدالة وأمن المجتمع. وشددت الأسرة على أنها لن تتنازل عن حق ابنتها، مطالبة بتحرك عاجل وشفاف يضمن تقديم جميع المتورطين إلى المحاكمة.

وبين مجسم إسمنتي يثير الجدل وملف قضائي يراوح مكانه، تبقى قضية اغتيال إفتهان المشهري اختبارًا حقيقيًا لقدرة مؤسسات الدولة في تعز على ترسيخ العدالة، واستعادة ثقة المواطنين بأن القانون فوق الجميع، وأن دماء الضحايا لا يمكن أن تُختزل في لوحة اسم بلا إنصاف.