تحليل دولي: نموذج إيران في المنطقة يتآكل والحوثيون أبرز الخاسرين
السياسية - منذ ساعة و 39 دقيقة
عدن، نيوزيمن، ترجمة:
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة التي أعقبت الحرب في غزة، تتكشف ملامح إعادة تشكل موازين القوى في الشرق الأوسط، مع تراجع واضح لأدوار الفاعلين من جماعات مسلحة وميليشيات اعتمدت عليهم قوى إقليمية لتوسيع نفوذها. وفي هذا السياق، يسلط تحليل دولي الضوء على أزمة عميقة تضرب نموذج النفوذ الإيراني القائم على الوكلاء، مع بروز ميليشيا الحوثي كأحد أبرز مظاهر هذا التراجع.
وكشف تحليل صادر عن مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية أن استراتيجية إيران، القائمة على "تصدير الثورة" عبر دعم الجماعات المسلحة، دخلت مرحلة تدهور بنيوي متسارع، انعكس بوضوح على قدرات وأدوار الحوثيين في اليمن، خاصة بعد تداعيات هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من تصعيد عسكري وسياسي واسع في المنطقة.
ويؤكد التحليل أن شبكة الوكلاء التي بنتها إيران على مدى عقود – والتي شملت عدة ساحات إقليمية – كانت تمثل ركيزة أساسية لنفوذها غير المباشر، حيث أتاحت لها التأثير دون الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة.
غير أن هذه الشبكة، التي كانت توصف سابقًا بـ"محور المقاومة"، بدأت تتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي، مع تصاعد الضغوط العسكرية والاستخباراتية عليها، وتعرضها لخسائر بشرية وقيادية مؤثرة، إلى جانب تراجع مصادر تمويلها.
ويشير التقرير إلى أن هذه التحولات لم تأتِ بشكل مفاجئ، بل كانت نتيجة تراكمات سابقة من العقوبات الدولية والاستنزاف العسكري، غير أن أحداث ما بعد 7 أكتوبر سرعت من وتيرة الانكشاف، وكشفت حدود القدرة على إدارة النفوذ عبر الوكلاء.
انكشاف متسارع
لطالما مثلت جماعة الحوثي إحدى الأدوات المهمة ضمن هذا النموذج، إذ منحت إيران منفذًا استراتيجيًا نحو شبه الجزيرة العربية وممرات الملاحة الحيوية في البحر الأحمر، دون الحاجة إلى تدخل مباشر.
لكن التحليل يشير إلى أن هذا الدور بدأ يتآكل بشكل واضح، حيث واجه الحوثيون ضغوطًا مركبة شملت خسائر عسكرية متكررة، وتراجع الدعم الخارجي، إضافة إلى ضعف القدرة على التعويض وإعادة بناء القدرات.
كما أن محاولات الجماعة لتعويض هذا التراجع عبر التصعيد العسكري لم تحقق النتائج المرجوة، بل ساهمت في استدعاء ردود فعل دولية واسعة زادت من عزلتها وأضعفت موقعها.
ومع اندلاع الحرب في غزة، سعت جماعة الحوثي إلى استثمار الحدث لإعادة تموضعها إقليميًا، عبر تصعيد هجماتها في البحر الأحمر واستهداف الملاحة الدولية، في محاولة لتقديم نفسها كجزء فاعل في المعادلة الإقليمية.
غير أن هذا الرهان، وفق التحليل، لم يحقق أهدافه، إذ أدى إلى نتائج عكسية تمثلت في تدخل عسكري دولي واسع، شمل ضربات جوية مكثفة استهدفت البنية العسكرية للجماعة، وقلّصت قدرتها على تنفيذ عمليات مؤثرة.
كما ساهمت هذه التحركات في تعزيز مبررات تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، ما أدى إلى تضييق الخناق عليها ماليًا ودبلوماسيًا، بدلًا من منحها شرعية أو نفوذًا أوسع.
ضغوط مالية خانقة
أحد أبرز جوانب التراجع، بحسب التقرير، يتمثل في الخسائر المالية الكبيرة التي تكبدتها الجماعة، نتيجة العقوبات الدولية واستهداف مصادر دخلها، بما في ذلك منشآت حيوية ومرافق اقتصادية.
كما أدت الإجراءات الدولية إلى تقليص تدفقات الأموال، وتعقيد عمليات التمويل والتحويل، ما أثر بشكل مباشر على قدرتها في إدارة المناطق الخاضعة لها، وتوفير الخدمات الأساسية للسكان.
وفي موازاة ذلك، تراجعت فاعلية شبكات الدعم الخارجي، سواء بسبب الضغوط الدولية أو التغيرات في أولويات الحلفاء، ما زاد من عزلة الجماعة وأضعف قدرتها على المناورة.
ولا يقتصر التراجع على الجانب العسكري والمالي، بل يمتد إلى البنية التنظيمية، حيث يشير التحليل إلى تعرض الجماعة لاهتزازات داخلية نتيجة فقدان قيادات بارزة، وتصاعد المخاوف الأمنية من الاختراقات الاستخباراتية.
كما أن تراجع الظهور العلني لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي لفترات، يعكس – بحسب التحليل – حالة من الحذر والارتباك داخل القيادة، في ظل تصاعد عمليات الاستهداف.
إلى جانب ذلك، أدى الأداء الضعيف في إدارة المناطق الخاضعة للجماعة إلى تراجع شعبيتها، خاصة مع تفاقم الأزمات الإنسانية والخدمية، ما قلّص قدرتها على حشد الدعم الداخلي.
من المقاومة إلى البقاء
يلفت التقرير إلى تحول ملحوظ في الخطاب الحوثي، حيث تراجع استخدام مصطلحات مرتبطة بـ"محور المقاومة"، مقابل التركيز على قضايا داخلية ومحلية، في محاولة لإعادة صياغة الصورة أمام الجمهور.
كما سعت الجماعة إلى إبراز قدر من الاستقلال عن إيران، رغم استمرار الارتباط، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لكلفة الارتباط الإقليمي في ظل الضغوط الحالية.
هذا التحول، بحسب التحليل، يعكس انتقالًا من خطاب هجومي توسعي إلى خطاب دفاعي يركز على الحفاظ على البقاء.
ويخلص تحليل مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية إلى أن جماعة الحوثي انتقلت فعليًا من كونها لاعبًا إقليميًا ضمن استراتيجية إيران، إلى فاعل محلي يواجه تحديات وجودية داخل اليمن.
ويؤكد أن فشل الجماعة في استثمار الحرب في غزة لم يكن مجرد إخفاق تكتيكي، بل كشف حدود نموذج النفوذ الإيراني القائم على الوكلاء، وأعاد رسم ملامح التوازنات الإقليمية.
وفي ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، يرى التقرير أن الخيارات أمام الحوثيين باتت أكثر ضيقًا، بين الانخراط الجاد في مسار سياسي، أو مواجهة مزيد من التآكل الذي قد يهدد بقاءهم كقوة مؤثرة على المدى الطويل.
>
