خطر "الانسداد الدائم".. هل تدفع آبار النفط الإيرانية ثمن التوترات في مضيق هرمز؟

السياسية - منذ 51 دقيقة
أستراليا، نيوزيمن:

حذّر تحليل نشره موقع "ذا كونفرسيشن" من أن تداعيات الأزمة النفطية المرتبطة بإيران قد لا تتوقف عند حدود ارتفاع أسعار الطاقة أو تعطل الإمدادات العالمية، بل قد تمتد إلى إحداث أضرار جيولوجية وتقنية طويلة الأمد داخل الحقول النفطية الإيرانية نفسها، في حال استمر إغلاق مضيق هرمز وتعطلت صادرات الخام لفترة أطول.

ويأتي هذا التحذير في ظل واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه سوق الطاقة العالمية منذ سنوات، بعدما تحول مضيق هرمز إلى بؤرة توتر عسكري مفتوح، مع استمرار القيود المفروضة على حركة الملاحة النفطية وتصاعد المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويمثل المضيق شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، إذ يمر عبره ما بين 20 و25 بالمئة من النفط المنقول بحراً في العالم، ما يجعل أي اضطراب طويل في حركة العبور تهديداً مباشراً لاستقرار الأسواق الدولية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية.

وبحسب التحليل، فإن الأزمة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً بعد امتلاء منشآت التخزين النفطية الإيرانية تدريجياً، نتيجة تراجع القدرة على التصدير بفعل الحصار البحري والقيود المفروضة على الملاحة، الأمر الذي يضع طهران أمام احتمال اضطراري يتمثل في إغلاق عدد من الآبار النفطية ووقف الإنتاج بشكل كامل في بعض الحقول.

ورغم أن هذا الإجراء قد يبدو تقنياً وبسيطاً من الناحية الظاهرية، إلا أن خبراء الطاقة الذين استندت إليهم المجلة يؤكدون أن إيقاف الحقول النفطية بشكل مفاجئ وطويل الأمد قد يخلّف آثاراً عميقة داخل المكامن الجيولوجية، قد يصعب عكسها حتى بعد انتهاء الأزمة وعودة الإنتاج.

وأشار الموقع في تحليله إلى أن كثيرين يتصورون حقول النفط على أنها "بحيرات ضخمة" يمكن وقف تدفقها ثم استئنافه متى شاءت الحكومات أو الشركات، بينما الحقيقة أن النفط يوجد داخل مسامات مجهرية دقيقة في الصخور، تحت توازن شديد الحساسية بين الضغط والحرارة والغاز والمياه.

وأوضح أن استمرار الإنتاج يعتمد على حركة ديناميكية دقيقة داخل الخزان النفطي، حيث يدفع الضغط الطبيعي النفط نحو الآبار، بينما تُستخدم تقنيات حقن الماء أو الغاز للحفاظ على استقرار التدفق ومنع تراجع الضغط داخل المكمن.

لكن عند إغلاق الآبار بشكل مفاجئ، يتوقف هذا النظام الديناميكي، وتبدأ تغيرات معقدة داخل الخزان النفطي، تشمل إعادة توزيع الضغط بصورة غير متوازنة، وهو ما قد يغير مسارات حركة السوائل داخل الحقل ويؤثر على كفاءة استخراج النفط لاحقاً.

وأضاف التحليل أن أحد أخطر الجوانب يتمثل في التغيرات الكيميائية داخل النفط الخام نفسه، إذ يحتوي النفط على مركبات ثقيلة مثل الشمع والأسفلتين، وهي مواد تبقى مستقرة أثناء التدفق الطبيعي، لكنها قد تترسب داخل الصخور والأنابيب عند توقف الحركة وتغير الضغط والحرارة.

ويؤدي هذا الترسب إلى انسداد المسامات الدقيقة داخل الصخور أو قنوات التدفق في الآبار، ما يحد من قدرة النفط على الحركة مستقبلاً، وقد يتطلب عمليات تنظيف ومعالجة معقدة ومكلفة لا تضمن دائماً استعادة الإنتاج السابق.

كما أشار التحليل إلى أن المياه الموجودة داخل المكامن النفطية تمثل تحدياً إضافياً، إذ يمكن أن تتسلل إلى المناطق المنتجة للنفط أثناء فترات التوقف الطويلة، وهي الظاهرة المعروفة بـ"التسرب المائي"، ما يؤدي عند استئناف التشغيل إلى استخراج كميات أكبر من المياه مقابل انخفاض النفط المنتج.

ويرى خبراء أن هذه المشكلة قد تجعل بعض الآبار غير مجدية اقتصادياً، لأن معالجة المياه وفصلها عن النفط يرفعان تكاليف الإنتاج بشكل كبير، خاصة في الحقول القديمة أو ذات البنية المعقدة.

ولفت التحليل إلى أن المخاطر لا تقتصر على باطن الأرض، بل تمتد أيضاً إلى البنية الهندسية للآبار نفسها، حيث قد تتعرض الأنابيب الفولاذية والإسمنت الداخلي للتآكل أو الترسبات المعدنية خلال فترات الإغلاق، الأمر الذي قد يحول إعادة تشغيل بعض الآبار إلى عملية شديدة التعقيد والكلفة.

كما حذر موقع "ذا كونفرسيشن" من أن بعض الخزانات النفطية شديدة الحساسية لأي تغيرات مفاجئة في الضغط، وأن انخفاض الضغط قد يؤدي إلى انضغاط الصخور داخل المكمن، ما يقلص المساحات المتاحة لحركة النفط ويؤدي إلى فقدان دائم لجزء من الاحتياطات القابلة للاستخراج.

وفي جانب آخر، تناول التحليل تأثيرات الغاز المصاحب داخل الحقول النفطية، موضحاً أن انخفاض الضغط قد يؤدي إلى انفصال الغاز عن النفط وتكوين فقاعات تعيق حركة التدفق داخل المكمن، وهو ما قد يترك جيوباً نفطية كاملة عالقة داخل الصخور دون إمكانية لاستخراجها بسهولة.

ورغم أن بعض الحقول الكبيرة قادرة على استعادة نشاطها بعد فترات التوقف، فإن التحليل يؤكد أن ذلك لا يعني عودة الحقول إلى حالتها الأصلية، إذ إن أي اضطراب داخلي قد يؤدي إلى تراجع الكفاءة الإنتاجية وارتفاع التكاليف وفقدان جزء من النفط القابل للاستخراج على المدى البعيد.

كما أشار التحليل إلى أبعاد بيئية مقلقة للأزمة، موضحاً أن إغلاق الآبار قد يحد مؤقتاً من بعض الانبعاثات، لكنه في المقابل قد يزيد من مخاطر تسرب غاز الميثان، بينما تتسبب عمليات إعادة التشغيل لاحقاً في إطلاق كميات إضافية من الغازات نتيجة الحرق والتنفيس.

ويرى محللون أن استمرار الأزمة في مضيق هرمز لا يهدد الاقتصاد الإيراني وحده، بل يضع سوق الطاقة العالمية أمام مرحلة شديدة الحساسية، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار تدفق النفط الخليجي. كما تعكس هذه التطورات هشاشة النظام النفطي العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية، حيث يمكن لصراع إقليمي محدود جغرافياً أن يتحول سريعاً إلى أزمة طاقة عالمية ذات تداعيات اقتصادية وبيئية طويلة الأمد.

وخلص  موقع "ذا كونفرسيشن" إلى أن النفط ليس مجرد سلعة يمكن وقف إنتاجها وإعادته بسهولة، بل هو نظام جيولوجي معقد يعتمد على توازنات دقيقة داخل باطن الأرض، وأن أي انقطاع مفاجئ وطويل قد يترك "ندوباً دائمة" في الحقول النفطية، حتى بعد انتهاء الحروب وإعادة فتح الممرات البحرية.