بعد انتهاء امتحانات الثانوية.. هل يملك طلاب اليمن فرصة حقيقية للمستقبل؟

السياسية - منذ ساعة و 5 دقائق
عدن، نيوزيمن، تقرير خاص:

مع انتهاء امتحانات الثانوية العامة في المحافظات المحررة، للعام الدراسي 2025/2026، الأحد 28 يونيو 2026، يغادر آلاف الطلاب قاعات الامتحانات وهم يحملون أسئلة أكبر من تلك التي واجهوها على أوراق الاختبار. فبينما ينشغل الشارع التربوي وأهالي الطلاب بانتظار النتائج ونسب النجاح، تبرز تساؤلات أكثر عمقاً حول مصير هؤلاء الطلاب، ومستقبل التعليم ذاته في بلد يعيش واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخه الحديث.

فانتهاء الامتحانات لا يمثل نهاية عام دراسي فحسب، بل يكشف حجم التحديات التي واجهت العملية التعليمية منذ بدايتها وحتى لحظة تسليم آخر ورقة إجابة، ويطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا بعد؟

عام دراسي بدأ متعثراً وانتهى مثقلاً بالمشكلات،

ولم تكن الامتحانات سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاختلالات التي رافقت العام الدراسي. 

ففي العديد من المدارس، خصوصاً في المناطق الريفية والأطراف، لم يسر العام الدراسي بصورة طبيعية، نتيجة النقص الحاد في الكادر التعليمي والكتاب المدرسي وضعف الحوافز وغياب المتابعة الميدانية.

ويؤكد أولياء أمور وطلاب أن بعض المدارس عانت من غياب المعلمين لفترات طويلة، فيما اضطر طلاب إلى مطالبة إدارات مدارسهم بتوفير معلمين للمواد الأساسية حتى يتمكنوا من استكمال المنهج الدراسي.

ويروي أحد أولياء الأمور أن ابنه وزملاءه نجحوا بعد مطالبات متكررة في توفير عدد من المعلمين، غير أن معظمهم لم يستمروا سوى أسابيع قليلة قبل التوقف عن التدريس، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها القطاع التربوي.

وفي ظل هذه الظروف، لم يعد كثير من الطلاب ينظرون إلى التعليم باعتباره مساراً حقيقياً لبناء المستقبل، بل تحول لدى البعض إلى مجرد مرحلة يجب تجاوزها بأي وسيلة ممكنة، وهو ما ساهم في تغذية ثقافة الغش وإضعاف قيمة التحصيل العلمي.

امتحانات تحت ضغط الظروف

وعلى الرغم من الإنفاق الكبير الذي يُرصد سنوياً لإدارة الامتحانات، من لجان ومشرفين ومراقبين ووسائل نقل ومهام إدارية متعددة، فإن واقع المراكز الامتحانية ظل بعيداً عن الحد الأدنى من البيئة التعليمية المناسبة.

فبحسب إفادات طلاب ومراقبين، شهدت العديد من المراكز نقصاً في الخدمات الأساسية، من انقطاع الكهرباء إلى ضعف الإجراءات التنظيمية والأمنية في بعض المواقع.

ويقول مراقبون إن التركيز السنوي ينصب غالباً على إنجاز الامتحانات بوصفها حدثاً إدارياً، أكثر من كونها عملية تقييم حقيقية لمستوى الطلاب ومخرجات التعليم، وهو ما يفسر تكرار المشكلات ذاتها عاماً بعد آخر دون حلول جذرية.

النتيجة ليست المشكلة الوحيدة

ورغم أهمية النتائج المرتقبة، إلا أن التحدي الأكبر يبدأ بعد إعلانها. فخلال استطلاع آراء عدد من الطلاب عقب انتهاء الامتحانات، أبدى كثيرون مخاوفهم من ضعف مستواهم العلمي وعدم قدرتهم على مواكبة متطلبات الدراسة الجامعية، نتيجة القصور الذي رافق العملية التعليمية خلال السنوات الماضية.

أما الطلاب الذين يمتلكون مستوى أكاديمياً جيداً، فقد أشاروا إلى عقبة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها أسرهم.

فالسكن الجامعي، والرسوم الدراسية، وتكاليف المواصلات، وشراء الكتب والمراجع والملازم، كلها أصبحت أعباء تفوق قدرة الكثير من الأسر، ما يجعل الالتحاق بالتعليم الجامعي حلماً مؤجلاً أو مستحيلاً بالنسبة لعدد كبير من الخريجين.

أزمة مخرجات أم أزمة منظومة؟

يرى مختصون أن المشكلة لا تكمن في الامتحانات وحدها، وإنما في المنظومة التعليمية بأكملها.

فالتعليم في اليمن يعاني منذ سنوات من ضعف التمويل، وتراجع أوضاع المعلمين، وتهالك البنية التحتية للمدارس، وغياب برامج التطوير والتأهيل، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى التحصيل العلمي للطلاب.

ورغم ظهور نماذج متفوقة ومتميزة كل عام، فإن هذه الحالات تظل استثناء لا يعكس الواقع العام للقطاع التعليمي، الذي يواجه تحديات متراكمة تتطلب معالجات استراتيجية طويلة الأمد.

ويحذر تربويون من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، بما يهدد مستقبل أجيال كاملة ويضاعف من الأزمات التنموية في البلاد.

من الامتحانات إلى الإصلاح

وفي ضوء هذه التحديات، يؤكد باحثون ومهتمون بالشأن التربوي، أن المرحلة المقبلة يجب أن تتحول من مجرد إعلان نتائج ونسب نجاح إلى مراجعة شاملة للواقع التعليمي.

ومن أبرز المقترحات المطروحة:

- إنشاء صندوق محلي لدعم التعليم في المحافظات، يساهم في تمويل احتياجات المدارس وتحسين البيئة التعليمية.

- توفير السكن الجامعي للطلاب القادمين من المديريات البعيدة، بما يضمن استمرارهم في التعليم العالي.

- تعزيز الرقابة والتوجيه التربوي ومتابعة سير الدراسة في الصفوف النهائية بصورة منتظمة.

- تطوير آليات تنفيذ الامتحانات بما يرفع كفاءتها ويقلل الهدر المالي والإداري.

- إعداد خطة متدرجة لمعالجة ظاهرة الغش والحد منها.

- تعميم ثقافة الانضباط والرقابة في الاختبارات المدرسية خلال مختلف المراحل التعليمية.

مستقبل التعليم يبدأ من هنا

انتهت امتحانات الثانوية العامة، لكن الامتحان الحقيقي ما يزال قائماً أمام المؤسسات المعنية بالتعليم. فنجاح الطلاب لا يقاس فقط بنسبة النجاح المعلنة، بل بقدرتهم على مواصلة التعليم، واكتساب المهارات، وتحويل المعرفة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل.

وإذا كانت قاعات الامتحانات قد أغلقت أبوابها اليوم، فإن أبواب الأسئلة الكبرى حول مستقبل التعليم في اليمن ما تزال مفتوحة على مصراعيها، بانتظار إرادة حقيقية للإصلاح، تتجاوز الحلول المؤقتة، وتضع التعليم في صدارة الأولويات باعتباره الاستثمار الأهم في مستقبل البلاد وأجيالها القادمة.