مفارقة صادمة.. اليمن ثاني أعلى دولة عربية في تكلفة المعيشة
إقتصاد - منذ ساعة و 9 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي يواجه فيه ملايين اليمنيين واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، جاءت اليمن في المرتبة الثانية عربياً (بعد دولة الإمارات)، والمرتبة الـ46 عالمياً في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، وفقاً للبيانات الصادرة عن منصة «Numbeo» العالمية.
وهو تصنيف يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة الواقع المعيشي في بلد أنهكته الحرب والصراعات والانقسامات الاقتصادية، وأصبح فيه الحصول على أبسط متطلبات الحياة تحدياً يومياً لملايين الأسر.
وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا التصنيف متناقضاً مع الصورة السائدة عن اليمن باعتبارها واحدة من أفقر دول المنطقة وأكثرها اعتماداً على المساعدات الإنسانية، إلا أن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن ارتفاع تكلفة المعيشة لا يعكس تحسناً في مستويات الدخل أو جودة الحياة، بل يعكس حجم الاختلالات الاقتصادية التي تراكمت خلال سنوات الحرب، وألقت بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين.
فمنذ اندلاع الصراع، تعرض الاقتصاد اليمني لضربات متتالية أدت إلى تراجع النشاط الإنتاجي، وتضرر البنية التحتية، وانكماش فرص العمل، وتراجع الاستثمارات، فضلاً عن اضطراب حركة التجارة والنقل.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه التداعيات إلى أزمة معيشية خانقة دفعت ملايين اليمنيين إلى حافة الفقر والعوز، بينما استمرت أسعار السلع والخدمات في الارتفاع بوتيرة تفوق بكثير قدرة المواطنين على التحمل.
وفي بلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد معظم احتياجاته الغذائية والدوائية والاستهلاكية، أصبحت الأسواق المحلية شديدة التأثر بالتقلبات العالمية في أسعار الغذاء والطاقة والشحن البحري.
>> الإيجارات تلتهم الرواتب.. هل أصبح السكن في عدن حلماً بعيد المنال؟
ومع كل زيادة في تكاليف النقل أو أسعار السلع الأساسية عالمياً، ينتقل الأثر مباشرة إلى المستهلك اليمني الذي يجد نفسه مضطراً لدفع أسعار أعلى، رغم ثبات دخله أو تراجعه.
ويشير اقتصاديون إلى أن الحرب لم تؤدِ فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل ساهمت أيضاً في إضعاف القوة الشرائية للمواطنين نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية في بعض المناطق، وتأخر صرف الرواتب في قطاعات عديدة، وغياب فرص العمل الكافية، ما خلق فجوة متزايدة بين الدخل وتكاليف الحياة.
وباتت الأسر اليمنية تنفق الجزء الأكبر من دخلها المحدود على الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات الأساسية، بينما تتراجع قدرتها على تلبية الاحتياجات الأخرى كالتعليم والرعاية الصحية.
غير أن البعد الأكثر خطورة في هذا التصنيف لا يتعلق بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل بما تعكسه من واقع إنساني بالغ القسوة. فاليمن لا تواجه مجرد أزمة غلاء معيشة، بل تعيش أزمة إنسانية ممتدة منذ سنوات، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء والدواء ومياه الشرب والخدمات الأساسية.
وفي ظل تراجع التمويل الإنساني الدولي خلال الأعوام الأخيرة، ازدادت معاناة الفئات الأشد ضعفاً، وأصبحت قدرة الكثير من الأسر على الصمود أمام الأعباء المعيشية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وفي المدن والقرى على حد سواء، أصبحت قصص المعاناة جزءاً من الحياة اليومية. فهناك أسر تضطر لتقليص عدد الوجبات الغذائية، وأخرى تؤجل العلاج بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، فيما يجد كثير من الآباء أنفسهم عاجزين عن توفير متطلبات التعليم لأبنائهم أو تأمين احتياجاتهم الأساسية.
ولم يعد التحدي بالنسبة للكثيرين تحسين مستوى المعيشة، بل الحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
كما أن تدهور الخدمات العامة، بما في ذلك الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، أضاف أعباء جديدة على المواطنين، حيث أصبح الحصول على بعض الخدمات الأساسية يتطلب إنفاقاً إضافياً يفوق إمكانات شريحة واسعة من السكان.
وبدلاً من أن تسهم الخدمات العامة في تخفيف الضغوط المعيشية، باتت في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة الكلفة المرتفعة التي يتحملها المواطن.
ويرى مراقبون أن خطورة تصنيف اليمن ضمن الدول الأعلى تكلفة للمعيشة تكمن في أنه يأتي في وقت تتراجع فيه مؤشرات التنمية والدخل وفرص العمل، ما يجعل تأثير الغلاء أكثر قسوة مقارنة بدول أخرى تتمتع بمستويات دخل مرتفعة أو أنظمة حماية اجتماعية أكثر فاعلية.
فارتفاع الأسعار في اليمن يحدث في بيئة اقتصادية وإنسانية هشة، الأمر الذي يضاعف من معاناة السكان ويزيد من اتساع دائرة الفقر.
وتعكس هذه المؤشرات صورة مؤلمة لواقع يعيشه ملايين اليمنيين يومياً؛ واقع يجمع بين الحرب وغلاء الأسعار وتراجع الدخل وانهيار الخدمات، في معادلة قاسية تجعل الحياة أكثر صعوبة عاماً بعد آخر.
وبينما تستمر التحديات الاقتصادية والإنسانية في التفاقم، تبقى الحاجة ملحة إلى حلول جادة تعيد تنشيط الاقتصاد، وتحسن مستوى الخدمات، وتوفر فرص العمل، وتخفف من الأعباء المعيشية التي أثقلت كاهل المواطنين.
فاليمن اليوم لا تواجه أزمة تكلفة معيشة فحسب، بل تواجه تحدياً إنسانياً واقتصادياً متشابكاً يهدد حياة الملايين ومستقبلهم، ويجعل من استعادة الاستقرار الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية ضرورة ملحة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
>
