بين حضن طهران والرياض.. الحوثي ومأزق "اللاحرب واللاسلم"

السياسية - الأربعاء 25 يناير 2023 الساعة 09:20 ص
المخا، نيوزيمن، خاص:

"في ما وراء الحد أيضا أباطرة حرب ومقاتلون أشداء"، بهذه العبارة يمتدح القيادي الحوثي حسين العزي السعودية وجيشها في تغريدة له على "تويتر"، على ضوء المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين والتي تديرها مسقط منذ أسابيع.

مفاوضات يراها العزي، الذي يشغل منصب نائب وزير الخارجية بحكومة الحوثي، فرصة بأن يجرب الطرفان "معاً السلام وحسن الجوار وتبادل الاحترام" بدلاً من القتال، خاتماً حديثه بالإشارة إلى أن الأمر مرتبط بـ"المصداقية" من جانب السعودية والتي يقول بأنها "على المحك".

المصداقية التي يتحدث عنها العزي هنا، هو تنفيذ ما تزعم جماعة الحوثي بأن السعودية تقدمت به كعرض لتسوية عبر الوسيط العُماني لوقف الحرب بشكل نهائي والدخول في مفاوضات سياسية مع مجلس القيادة الرئاسي لحل الصراع في اليمن.

تفاصيل العرض، الذي روجت له الجماعة مؤخراً عبر وسائل إعلام غربية، تزعم فيه أن السعودية وافقت فيه على كافة مطالب الجماعة لتمديد الهدنة الأممية والتي تتضمن فتحا شاملا لمطار صنعاء ورفع كافة القيود عن ميناء الحديدة، بالإضافة إلى دفع مرتبات الموظفين والعسكريين بمناطق سيطرتها وفق أرقام موازنة 2014م.

وزعمت الجماعة بأنها رفضت العرض السعودي ورفعت سقف مطالبها في ردها عبر الوسيط العُماني إلى المطالبة بتوزيع عائدات النفط وفق ميزانية ما قبل الحرب وأن تحصل بموجب ذلك على 80% من هذه العائدات، بحسب تصريح مسئول حوثي لوكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية.

وبعيداً عن صحة مزاعم الجماعة من عدمها، إلا أن مسارعتها بالترويج عبر إعلامها وناشطيها إلى اعتبار المفاوضات مع السعودية بأنه "نصر" سياسي وعسكري لها، يخفي وراءه حقيقة الأزمة التي تعاني منها الجماعة حالياً منذ إعلان الهدنة الأممية في أبريل الماضي.

فاستمرار الهدنة للشهر العاشر على التوالي، وعدم الاتفاق على تجديدها للشهر الرابع على التوالي دون نقضها من قبل أي طرف خلقت حالة "اللاحرب واللاسلم"، وهو المصطلح الذي باتت جماعة الحوثي تردده مؤخراً، وتحذر منه بشكل لافت، ما يعكس مدى ما تعانيه الجماعة من استمرار هذا الوضع.

حيث ترى الجماعة أن استمرار الهدنة وفق البنود الحالية لا يلبي ما كانت تطمح إليه منها، من رفع شامل لكافة القيود على المطارات والموانئ ودفع المرتبات بمناطق سيطرتها عبر تقاسم عائدات تصدير النفط المنتج والمصدر من المناطق المحررة، ما يمنح تمويلاً مالياً يضاف إلى ما تنهبه من إيرادات بمناطق سيطرتها، بالإضافة إلى منحها اعترافا غير مباشر بسلطتها عبر فتح منافذ لها للعالم.

ومع استمرار الهدنة دون الوصول إلى ذلك، فإن الوضع سيزداد صعوبة، فاستمرار وقف الحرب باستمرار سريان الهدنة يعمل على سقوط شرعيتها كسلطة في المناطق التي تسيطر عليها، وهي شرعية "الحرب" أو "مقاومة العدوان"، وهو المبرر الأول لنهبها للإيرادات واعفائها من تقديم أي التزامات تجاه المواطنين بمناطق سيطرتها.

وبرز ذلك واضحاً خلال الأسابيع الماضية، حين قامت جماعة الحوثي باعتقال عدد من الناشطين المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن وجهوا لها انتقادات بالفساد ونهب الإيرادات وأموال اليمنيين دون دفع الرواتب أو تقديم الخدمات رغم توقف الحرب منذ أبريل الماضي، وهو ما كان يهدد بتأليب الشارع ضدها.

ولا تتوقف الأزمة بالنسبة للجماعة عند استمرار الهدنة بوضعها الحالي، بل بقدرتها على نسفها واستئناف الحرب نحو المناطق المحررة أو نحو دول التحالف، والتبعات التي ستنجم عن ذلك بعد التحذير شديد اللهجة الذي أطلقته الإمارات، على لسان نائب مندوبها الدائم بالأمم المتحدة محمد أبو شهاب خلال الاجتماع الأخير لمجلس الأمن الدولي حول اليمن، حيث توعد بـ"أنّ أيّ اعتداء للميليشيات على دول الجوار سيقابله رد حازم من قبل تحالف دعم الشرعية". 

كما أن قدرة الجماعة على استئناف الحرب على الجبهة الداخلية، فموافقتها على الهدنة في أبريل الماضي جاء عقب الهزيمة العسكرية القاسية التي تلقتها قبل 3 أشهر على يد قوات العمالقة الجنوبية في شبوة والتي أطاحت بحلم الجماعة في السيطرة على مأرب وعلى حقول النفط والغاز بعد أن خسرت نحو 50 ألف قتيل وجريح من مقاتليها في سبيل ذلك، وأن تكرار ذلك ربما يكون صعباً.

وتدرك جماعة الحوثي أيضاً بأن تحقيقها لانتصارات عسكرية كبيرة بالجبهة الداخلية كما حدث خلال 2020-2021م لم يعد ممكناً، عقب تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بديلاً لسلطة هادي ونائبه علي محسن والإخوان والتي كان أداؤها العبثي ولفسادها في الملف العسكري السبب الحقيقي وراء هذه الانتصارات، والتي كانت أشبه بعمليات تسليم أكثر منها معارك حقيقية.

كل ما سبق، يبدو بأنه يدفع بجماعة الحوثي إلى البحث عن تسوية منفردة مع السعودية التي تقود التحالف لإنهاء دوره في اليمن، بتقديم كل المغريات لها سياسياً وعسكرياً مقابل خروجها من المشهد والتخلي عن دعم خصومها الممثلين بمجلس القيادة الرئاسي، فبذلك وحده يمكن لها من مواصلة حلمها بفرض سيطرتها على الخارطة اليمنية بقوة السلاح.

وهو ما تطرحه جماعة الحوثي على السعودية عبر الوسيط العُماني، مقابل تنفيذ كل المطالب الأمنية التي تطرحها السعودية بهدف تطمينها ومنها إقامة منطقة منزوعة السلاح على الحدود معها يمكن أن تصل لعمق 30كم، وضمانات حول الصواريخ البالستية والمُسيرات وعدم استخدامها لتهديدها أو تهديد دول الجوار.

تعرض جماعة الحوثي كل ذلك على السعودية تحت لافتة "السلام وحسن الجوار"، بحسب توصيف نائب وزير خارجيتها العزي، وتبدي حماستها واستعجالها في كسب ودها ورضاها، بهدف تحييدها وتحييد التحالف الذي تقوده عن المعركة الأساسية للحوثي ضد اليمنيين شمالاً وجنوباً لإخضاعهم لحكمها.