مطيع سعيد المخلافي

مطيع سعيد المخلافي

تابعنى على

مأزق الريال اليمني بين شح السيولة وفوضى الصرف

منذ ساعة و 29 دقيقة

تعيش اليمن منذ ما يزيد على عقد ونصف أزمة اقتصادية هيكلية مركّبة، أخذت تتفاقم عامًا بعد آخر، حتى بلغت مرحلة الانهيار الشامل عقب الانقلاب الحوثي في 2015م، وما ترتب عليه من حرب واستنزاف طويل لمقدرات الدولة.

وتجلّت ملامح الأزمة في انهيار العملة المحلية (الريال اليمني)، وانقسام البنك المركزي، وتوقف صادرات النفط والغاز، وتآكل الاحتياطي النقدي، إلى جانب تفشي الفقر والبطالة على نطاق غير مسبوق، وسط انقسام سياسي واقتصادي مزدوج أربك مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على إدارة الملف المالي بكفاءة.

وخلال هذه السنوات العصيبة، دفع المواطن اليمني الثمن الأكبر، إذ انعكست الأزمة مباشرة على معيشته اليومية، وارتفعت أسعار السلع الأساسية، وتآكلت الرواتب، وتراجعت القدرة الشرائية بصورة حادة، حتى باتت غالبية الأسر عاجزة عن تلبية احتياجاتها الضرورية.

ومع استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني في مختلف أنحاء الجمهورية، برزت في الآونة الأخيرة أزمة جديدة من نوع مختلف في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تمثلت في انعدام السيولة النقدية من العملة المحلية مقابل وفرة ملحوظة في العملات الأجنبية، خصوصًا الريال السعودي، داخل الأسواق ومحال وشركات الصرافة.

وجاءت هذه الظاهرة بالتزامن مع تعميم صادر عن البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن، يتضمن تسعيرة جديدة لسعر الصرف، أعقبه تعميم من جمعية الصرافين يمنح الصرافين حرية بيع وشراء العملات الأجنبية دون التقيد الصارم بتسعيرة البنك المركزي، ما أوجد حالة من الارتباك والتضارب في السوق.

وأدى سحب السيولة النقدية من الريال اليمني من التداول، وعدم قدرة المواطنين على تحويل العملات الأجنبية إلى ريال محلي عبر البنوك ومحال الصرافة، إلى فتح أبواب السوق السوداء وعودة المضاربات بصورة مكثفة.

وأصبح المواطن مضطرًا لبيع ما بحوزته من عملة أجنبية بأسعار أقل بكثير من السعر المعلن رسميًا، في ظل غياب الرقابة الفاعلة والآليات المنظمة، الأمر الذي زاد من حجم الاستغلال وأضعف الثقة بالسياسات النقدية المعلنة.

وتشير معطيات السوق إلى أن انعدام الريال اليمني مقابل وفرة العملات الأجنبية قد يكون جزءًا من محاولة لخفض سعر الصرف ورفع قيمة العملة المحلية عبر تقليص المعروض النقدي، غير أن غياب الشفافية والوضوح في الإجراءات يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه الخطوة وأهدافها.

فإن كانت هذه العملية مقصودة من قبل البنك المركزي والحكومة الشرعية، فإنها تتطلب وجود آلية واضحة ومضمونة لخفض أسعار السلع والخدمات بما يتناسب مع أي تحسن في سعر الصرف، حتى لا يبقى التحسن شكليًا على الورق فقط.

أما إذا كانت غير مقصودة، فإن ما يحدث قد يرقى إلى تلاعب من قبل بعض شبكات الصرافة والمضاربين، مستفيدين من حالة الانقسام وضعف الرقابة، لفتح السوق السوداء من جديد وتحقيق أرباح سريعة على حساب معاناة المواطنين.

وفي الحالتين، تبقى النتيجة واحدة: اقتصاد مثقل بالأزمات، ومواطن يرزح تحت ضغوط معيشية متصاعدة، وثقة تتآكل يومًا بعد آخر في قدرة المؤسسات على إدارة الملف النقدي بحزم وشفافية.

إن معالجة هذا الاختلال تتطلب توحيد السياسة النقدية، وتشديد الرقابة على سوق الصرف، وضمان توفر السيولة المحلية بشكل عادل، وربط أي إجراءات مالية بخطط واضحة لخفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، بعيدًا عن المعالجات المؤقتة التي تزيد المشهد تعقيدًا.

فاليمن ،اليوم، لا تحتمل مزيدًا من التجارب غير المحسوبة، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة تعيد التوازن للسوق، وتحمي العملة الوطنية، وتضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبارات أخرى.