سمير رشاد اليوسفي

سمير رشاد اليوسفي

تابعنى على

حين تعمى الحروب

Sunday 15 March 2026 الساعة 03:07 pm

في الظاهر، هذه حرب بين إيران وإسرائيل.

أما في الواقع، فهي لم تعد شأناً يخص طرفيها وحدهما.

منذ صارت الصواريخ والمسيّرات تعبر سماء الخليج، وتُعلن دوله اعتراض موجات متلاحقة منها، سقط عملياً وصف ما يجري بأنه حرب بعيدة.

المقذوفات لا تقرأ العناوين، والخرائط تتحرك أسرع من أي خطاب سياسي.

الفهم يبدأ من السعودية، من باب الدولة لا الخبر.

حين ضُربت منشآت أرامكو في 2019، تعطّل ما يعادل نحو خمسة في المئة من الإمداد النفطي العالمي، ولم يكن ذلك حادثاً عابراً، بل درساً استراتيجياً مبكراً: البنية الحيوية الخليجية يمكن أن تُستهدف مباشرة، والأمن لا يبدأ عند الاعتراض بل قبلها بسنوات.

منذ ذلك الوقت، صار السؤال الجدي أبعد من رد الفعل، وأقرب إلى بناء القدرة: ماذا نملك نحن، لا ماذا سيقوله الآخرون عنا؟

الدولة تختلف عن الشعار.

الشعار يصل أولاً إلى الميكروفون، ثم يبحث عن الجملة المناسبة.

الدولة تعود بعد الانفجار إلى المختبر: تصنيع، تخطيط، تنويع شركاء، وبناء ردع لا يعيش على الاستيراد وحده.

الإمارات نموذج واضح للحرب الحديثة.

الموانئ أصبحت هدفاً.

حين تتعطل بعض العمليات في الفجيرة بعد حريق أعقب اعتراض مسيّرة، يصبح واضحاً أن النار لا تبحث عن موقع عسكري فقط، بل عن شريان التجارة والطاقة والثقة.

إيران تقول إنها تحارب إسرائيل، لكن كلفة الحرب تصل الخليج أسرع مما توحي به الشعارات.

يُرفع عنوان كبير في مكان، وتبدأ كلفة الشحن والتأمين والطاقة في مكان آخر.

الخليج لا يتابع الحرب فقط؛ الخليج يتسلّم فواتيرها.

الدائرة أوسع: الكويت، قطر، الأردن دفعوا جزءاً من الفاتورة مباشرة.

لبنان أيضاً: الجيش الإسرائيلي استهدف نحو 110 مواقع لحزب الله، و12 قتيلاً في ضربة على مركز صحي أولي.

الساحات تتآكل، بينما الخطاب الرسمي عند أهل “المحور” يسمي الاستنزاف صموداً.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أن “دولاً كثيرة” سترسل سفناً لحماية مضيق هرمز. الكلام سياسي، البحر اقتصادي. العالم قد يحتمل الضجيج، لكنه لا يوقّع بوالص التأمين بالعاطفة.

في منطقتنا تبدأ الحروب بالكلمات الكبيرة.

لكنها، حين تعمى الحروب، تضرب الموانئ أولاً، ثم تتوسع آثارها لتصل إلى الخليج بأسره.

من صفحة الكاتب على إكس