عاد العراق بعد فراق.. ما مر عام ليس في العراق جوع..
سحابة مونتيري أمطرت حيث شاء غراهام آرنولد.. تحت شلال من الرطوبة.. اغتسل العراقيون مجدًا من عين عراقية لا تكسر أبدًا..
هذا الأسد العراقي فاق وراق.. ومن غابات مونتيري افترس حملان منتخب بوليفيا في وجبة صباحية دسمة..
رحلة المشتاق لم تكن نزهة.. كانت شاقة.. حقول ألغام تفاداها العراقيون بجسارة وصلابة..
ما مر عام إلا والعراق يراقب تلك السحابة لعلها تمطر في ملاعب كأس العالم..
لم يكن منتخب بلاد الرافدين يعلم أن ميقات الوعد كالرعد.. لم تكن الرؤوس قد أينعت.. كان الصغير أيمن حسين يلملم بقايا صبر.. يرسل إشارات بذبذبات صوتية هامسة مثل وشوشة موجة بحر تكتنز هدوءًا يسبق العاصفة..
فعلها أيمن حسين.. استل سيفًا مسلولًا من غمد عراقي يطفح بالسيوف اللامعة.. هوى بذبابة سيفه على فريسته.. في لحظة فارقة سقطت بوليفيا مضرجة بدماء الهزيمة..
كانت مباراة أفكار.. لا تحتاج إلى زئير أسود ترتعد لها فرائص كل غابات المكسيك فقط.. كانت بحاجة إلى عقل شطرنجي يدير اللعبة ويتقن نقلة كش ملك..
مارس العراقيون ذكاءً في توزيع نواياهم على خريطة أحداث المباراة..
ظل غراهام آرنولد يصاقر بفلسفة الانقضاض الشرس.. زواج بين غاية الكرة الأنجلوساكسونية باندفاعها البدني القوي، وبين وسيلة اللدغ المباغت المميت.. فجاء التبرير منطقيًا..
ولم يكن منتخب العراق ليركب موجة المباراة ويعري منتخب بوليفيا من كل أوراق لاتينيته، لولا أنه استند إلى ضوابط نفسية وذهنية جعلت العراق يبدو قويًا للغاية في تحديد خياراته الهجومية والدفاعية..
كان آرنولد يعلم أن البوليفيين يتلصصون على أسلوب لعبه.. كان يعلم أن ارتفاع مونتيري عائق نفسي خطير.. لذا جهز لاعبيه باستراتيجية تكتيكية لم تكن في حسبان البوليفيين..
اعتمد منتخب العراق مع بداية الشوط الأول على الضغط الهجومي العنيف.. طريقة أربكت البوليفيين.. أفقدتهم لاتينيتهم.. وقبل أن يستوعبوا ما يحدث جاءت لدغة علي الحمادي بالهدف الأول..
عندها اختار آرنولد انضباط الكرة الأنجلوساكسونية.. دفاع قوي.. مع مرتد سريع.. لكن البوليفيين تكيفوا مع لاتينية لعبهم.. سجلوا هدف التعادل عن طريق مويسيس بانياغوا..
عاد آرنولد إلى مبدأ الصدمة.. بدأ الشوط الثاني شرسًا ضاغطًا بطريقة أنهكت البوليفيين بدنيًا وسحبت منهم كل أسطوانات الأوكسجين.. فكان من ثمار هذا المبدأ تسجيل المتألق جدًا أيمن حسين هدف الفوز الذي يساوي كل ذهب العالم.. لأنه منح أسود الرافدين تذكرة الذهاب إلى كأس العالم..
تراكمت الغيوم في سماء العراق.. ويهطل المطر.. ما مرت ذكرى كروية إلا وسماء العراق تفيض سحبها وغيومها.. مطر.. مطر.. مطر..
من صفحة الكاتب على الفيسبوك
>
