إخوان تعز وصناعة الفوضى.. الوازعية ساحة جديدة لإعادة تدوير الإرهاب

السياسية - منذ ساعتان و 18 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

في مشهد يتكرر منذ سنوات داخل محافظة تعز، تبرز ملامح نمط سياسي قائم على توظيف الفوضى الأمنية والعصابات المسلحة كأدوات ضغط لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية. 

هذا النمط، الذي يُتهم بالارتباط بقيادات موالية لحزب الإصلاح الإخواني، لم يعد خفيًا مع تكرار السيناريو ذاته في أكثر من منطقة، حيث يتم الدفع بعناصر خارجة عن القانون لتنفيذ مهام ميدانية محددة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى بؤر صراع تُستثمر سياسيًا. واليوم، تعود مديرية الوازعية إلى الواجهة، كحلقة جديدة ضمن هذا المسار، مع تصاعد الأحداث المرتبطة بعصابة المدعو أحمد سالم حيدر المشولي.

الوازعية.. بؤرة توتر مفتعلة

تشير المعطيات الميدانية إلى أن ما يجري في الوازعية لا يمكن فصله عن سياق أوسع من محاولات إنتاج الفوضى، عبر دعم عصابات مسلحة تمارس القتل والحرابة وقطع الطرقات وفرض الإتاوات على المواطنين. وتبرز عصابة أحمد سالم حيدر المشولي كأحد أبرز النماذج لهذه الظاهرة، حيث ثبت تورطها في سلسلة من الجرائم والانتهاكات، وسط اتهامات بوجود غطاء سياسي وعسكري يوفر لها الحماية والدعم.

ورغم وضوح هذه الانتهاكات، برزت مواقف رافضة للحملة الأمنية التي تنفذها وزارة الداخلية لضبط عناصر العصابة، وهو ما يعكس – وفق مراقبين – حالة امتعاض داخل أوساط إخوانية من أي تحرك يهدف إلى إنهاء هذه الأدوات غير النظامية.

لا يُنظر إلى أحمد سالم المشولي كحالة فردية، بل كجزء من منظومة توظيف أوسع، حيث يتم استخدامه كورقة ضغط أمنية وعسكرية في الوازعية، لتنفيذ عمليات تحرش واستهداف ضد وحدات أمنية، خاصة تلك التابعة للمقاومة الوطنية.

ويهدف هذا الأسلوب – بحسب التحليلات – إلى جر هذه القوات إلى مواجهات ميدانية واستنزافها في صراعات جانبية، أو دفعها إلى الاحتكاك مع النسيج الاجتماعي المحلي، بما يخلق بيئة خصبة لتأجيج الصراعات القبلية وتوظيفها لاحقًا في سياق سياسي وإعلامي يخدم أجندات محددة.

من جانبه، يلخص الناشط فهمي محمد مارش المشهد بالقول إن هناك محاولة واضحة لإعادة إنتاج سيناريو سابق، عبر صناعة نسخة جديدة من “غزوان المخلافي” في الوازعية، مشيرًا إلى أن الأسلوب ذاته يتكرر من حيث توفير الغطاء غير المباشر للعناصر المسلحة، سواء عبر التسليح أو الدعم الإعلامي أو توفير الملاذات الآمنة.

>> رعاية الفوضى بالوازعية.. الإخوان يفضحون أكاذيبهم بحق المقاومة الوطنية

ويؤكد مارش أن هذه الجهات لا تربطها علاقة حقيقية بتلك الشخصيات، بل تستخدمها كأدوات مؤقتة لتحقيق أهدافها، قبل أن تتخلى عنها وتتركها تواجه مصيرها. ويضيف أن هذه السياسة تعكس نمطًا قائماً على الاستغلال المرحلي، حيث يتم التضحية بهذه العناصر بمجرد انتهاء دورها، دون أي اعتبار لتبعات ذلك على المجتمع أو الأمن المحلي.

نماذج سابقة.. سيناريو متكرر بأدوات مختلفة

ما يحدث في الوازعية اليوم يعيد إلى الأذهان نماذج سابقة استخدمت فيها شخصيات وعصابات مسلحة لأداء أدوار مشابهة، قبل أن تنتهي مهمتها ويتم التخلي عنها. ومن أبرز هذه النماذج غزوان المخلافي، الذي خاض مواجهات طويلة في مدينة تعز ضد قوات الأمن والجيش الوطني وخاض مواجهات عنيفة داخل المدينة راح ضحيتها العشرات، والمدعو حبيب السامعي، الذي نفذ هجمات متكررة ضد اللواء 35 مدرع، قبل أن تتطور إلى مواجهات شملت مناطق الحجرية. وايضا المدعو الطاهش، الذي قاد عمليات استهداف لنقاط عسكرية في البيرين والكدحة، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى مناطق واسعة. المطلوب أمنيًا أمجد خالد الذي استخدم في تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية متعددة في عدن والحجرية، شملت تفجيرات واشتباكات راح ضحيتها العشرات. إضافة إلى أبو ذياب العلقمي، الذي نفذ كمائن واشتباكات محدودة ضد قوات المقاومة الوطنية في الوازعية والمخا.

تكشف هذه النماذج عن قاسمين مشتركين في آلية توظيف هذه العناصر أولًا، الاستخدام السياسي مقابل التمويل، سواء من مصادر محلية أو خارجية، حيث يتم توجيه هذه العصابات لخدمة أهداف مرحلية محددة. ثانيًا، النهايات المتشابهة، حيث يتم التخلي عن هذه الأدوات بمجرد انتهاء دورها، لتتحول من عناصر فاعلة إلى عبء يتم التخلص منه بسهولة، في مشهد يعكس طبيعة العلاقة القائمة على الاستغلال المؤقت لا الشراكة.

ويرى الكاتب عبدالله فرحان أن ما يجري في مديرية الوازعية اليوم ليس حدثًا معزولًا، بل امتداد لنمط متكرر من توظيف العناصر المسلحة كأوراق ضغط أمنية وعسكرية لخدمة أهداف سياسية محددة. ويؤكد أن استخدام المدعو أحمد سالم المشولي يأتي ضمن هذا السياق، حيث يتم الدفع به لتنفيذ عمليات تحرش واستهداف للوحدات الأمنية، بهدف جرّها إلى مواجهات ميدانية واستنزافها في صراعات جانبية قد تتحول لاحقًا إلى نزاعات قبلية تُستثمر سياسيًا.

ويستعرض فرحان سلسلة من النماذج السابقة التي شهدتها تعز ومناطق أخرى، مثل غزوان المخلافي وحبيب السامعي وأمجد خالد وغيرهم، موضحًا أن هذه الأسماء لم تكن سوى أدوات مرحلية تم استخدامها لفترات محدودة، قبل أن يتم التخلي عنها بمجرد انتهاء دورها. ويشير إلى أن القاسم المشترك بين هذه الحالات يتمثل في توظيفها سياسيًا مقابل تمويل موجه، إضافة إلى النهايات المتشابهة التي تنتهي بها تلك الشخصيات، حيث تتحول من أدوات مؤثرة إلى عناصر منبوذة بعد استنفاد أغراضها.

الحملة الأمنية.. كسر الحلقة وإعادة الاعتبار للدولة

في ظل هذا الواقع، تكتسب الحملة الأمنية في الوازعية أهمية خاصة، باعتبارها محاولة لكسر هذا النمط المتكرر، واستعادة دور الدولة في فرض النظام وإنهاء نفوذ العصابات المسلحة. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الحملة لا يقتصر على ضبط عناصر إجرامية، بل يمتد ليشمل تفكيك منظومة أوسع من توظيف الفوضى، وقطع الطريق أمام إعادة إنتاجها بأسماء وأدوات جديدة.

ما يجري في الوازعية اليوم يتجاوز كونه حملة أمنية عابرة، ليشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على مواجهة مشاريع الفوضى المنظمة، وإعادة الاعتبار لمؤسساتها في مواجهة قوى تسعى لإبقاء المشهد في حالة اضطراب دائم. وبين خيار الدولة وخيار العصابات، تبدو المعركة مفتوحة، لكن نتائجها ستحدد ملامح المرحلة القادمة في تعز والمناطق المجاورة.

بدوره، يقدم الكاتب أدونيس الدخيني قراءة أوسع لطبيعة الخطاب الذي يبرر الفوضى، مشيرًا إلى ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الأمن والاستقرار داخل تعز. ويؤكد أن بعض الأطراف دافعت في مراحل سابقة عن شخصيات متورطة في انتهاكات جسيمة، واعتبرت تحركاتها "محقّة"، بينما جرى في المقابل تصنيف كل من يعارضها أو يطالب بتطبيق القانون كـ“خارج عن النظام”.

ويضيف الدخيني أن هذا النهج يعكس رؤية تُخضع مفهوم الدولة لمصالح ضيقة، حيث يتم تبرير الفوضى والجبايات والانتهاكات، مقابل استهداف أي محاولة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة أو فرض النظام. كما يشير إلى أن التجربة على الأرض أظهرت تباينًا واضحًا بين نماذج مختلفة في إدارة المناطق، من حيث مستوى الأمن والانضباط والتعامل مع المواطنين، مؤكدًا أن احترام القانون وتقديم الخدمات يمثلان معيارًا حقيقيًا لقياس أداء أي جهة تدّعي تمثيل الدولة.