تقرير أممي: هدوء هش في اليمن والسلام لا يزال بعيداً والمعاناة تتفاقم
السياسية - منذ ساعة و 48 دقيقة
بروكسل، نيوزيمن:
رغم تراجع وتيرة القتال واسع النطاق في اليمن منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، إلا أن البلاد لا تزال تعيش حالة من "اللاحرب واللاسلم"، حيث يستمر الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي في تعميق الأزمة، فيما تبقى المخاطر قائمة بانزلاق الوضع مجدداً إلى مواجهة شاملة. وفي ظل هذا المشهد، تتفاقم المعاناة الإنسانية، ما يجعل الاستقرار الحالي أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى سلام مستدام.
وفي تقرير حديث نشره مركز المعلومات الإقليمي لأوروبا الغربية التابع للأمم المتحدة، أكدت الأمم المتحدة أن اليمن يواجه واحدة من أعقد وأطول الأزمات في العالم، حيث تتداخل العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية لتشكل واقعاً شديد التعقيد، بعد أكثر من عقد من الاضطرابات المستمرة.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة اليمنية تعود إلى عام 2011 مع اندلاع احتجاجات "الربيع العربي"، والتي أدت إلى انتقال سياسي هش سرعان ما انهار. وفي الفترة بين 2014 و2015، سيطرت جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ما دفع الحكومة المعترف بها دولياً إلى مغادرة البلاد، قبل أن يتدخل تحالف بقيادة المملكة العربية السعودية عسكرياً في مارس 2015، لتتحول الأزمة إلى حرب شاملة.
ومنذ ذلك الحين، انقسمت البلاد بين مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في الشمال والغرب، وأخرى تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، إلى جانب مناطق نفوذ لقوى محلية مختلفة. كما شهد الجنوب توترات متصاعدة، خاصة مع تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي حاول توسيع نفوذه قبل أن يتراجع نفوذه الميداني مطلع عام 2026، مع استمرار التوترات السياسية والأمنية.
وأكد التقرير أن الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل 2022 أسهمت في خفض حدة القتال بشكل كبير، إلا أنها لم تُفضِ إلى اتفاق سلام شامل. ولفت إلى أن خطوط المواجهة بقيت مستقرة نسبياً، لكن "الحرب الاقتصادية" لا تزال مستمرة، في ظل تدهور العملة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.
كما حذّر من تداعيات التوترات الإقليمية، خصوصاً في البحر الأحمر، حيث أدت هجمات الحوثيين على السفن الدولية منذ أواخر 2023 إلى تصعيد عسكري جديد، شمل غارات جوية نفذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ما يعزز المخاوف من عودة التصعيد واسع النطاق.
وسلط التقرير الضوء على الأبعاد الإنسانية الكارثية للأزمة، مشيراً إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان اليمن، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عامي 2025-2026، فيما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
كما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، في حين لا يعمل سوى 59% من المرافق الصحية بكامل طاقتها، نتيجة سنوات من القصف والتدهور الاقتصادي ونقص التمويل. وأضاف التقرير أن الألغام الأرضية والفيضانات والجفاف ساهمت في تدمير سبل العيش، إلى جانب النزوح الواسع الذي طال ملايين اليمنيين، ما يجعل الأزمة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ورغم حجم الاحتياجات، أشار التقرير إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 لم تُموّل سوى بنسبة 25% فقط، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص المساعدات الغذائية والخدمات الصحية وبرامج الحماية، وهو ما ينذر بتفاقم الأوضاع في حال استمرار نقص التمويل.
وأوضح التقرير أن الأمم المتحدة تضطلع بثلاثة أدوار رئيسية في اليمن، تشمل الوساطة السياسية، والاستجابة الإنسانية، ورصد انتهاكات حقوق الإنسان. ويقود جهود الوساطة هانز غروندبيرغ، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، الذي يعمل على دفع الأطراف نحو وقف شامل لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية يقودها اليمنيون.
وفي الجانب الإنساني، تواصل وكالات الأمم المتحدة، مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الصحة العالمية، تقديم المساعدات الغذائية والصحية ودعم خدمات المياه، إضافة إلى مساعدة ملايين النازحين.
كما توثق الأمم المتحدة انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك استهداف المدنيين والاعتقالات التعسفية وتجنيد الأطفال، في محاولة للحد من الانتهاكات وتعزيز المساءلة.
وأشار التقرير إلى أن أزمة اليمن لم تعد مجرد صراع مسلح، بل تحولت إلى انهيار طويل الأمد في مؤسسات الدولة والاقتصاد والخدمات الأساسية.
وبينما تلعب الأمم المتحدة دوراً محورياً في تخفيف المعاناة ودعم المسار السياسي، فإن تحقيق السلام الدائم يظل رهناً بإرادة الأطراف اليمنية وتوفر دعم دولي مستمر، في ظل واقع يؤكد أن "الهدوء الحالي" لا يعني نهاية الحرب، بل قد يكون مجرد استراحة مؤقتة في صراع مفتوح.
>
