إحياء الثارات وتفكيك القبيلة.. استراتيجية حوثية لدفن شمال اليمن بالصراعات
السياسية - منذ ساعة و 27 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
لم تعد النزاعات القبلية في شمال اليمن مجرد امتداد لخلافات اجتماعية وثارات متوارثة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر الملفات المرتبطة بطبيعة إدارة جماعة الحوثي للمناطق الخاضعة لسيطرتها، وسط اتهامات متصاعدة للجماعة باستخدام الصراعات القبلية كأداة لإعادة تشكيل المجتمع وإضعاف البنية القبلية التي ظلت لعقود تمثل أحد أبرز مراكز النفوذ والقوة في اليمن.
ومع كل حادثة اقتتال أو ثأر جديدة، تتزايد المؤشرات – بحسب وجهاء قبليين وحقوقيين – على وجود سياسة ممنهجة تقوم على تغذية الانقسامات الداخلية، وإعادة إحياء النزاعات القديمة، والتدخل في القضايا القبلية بطريقة تؤدي إلى إطالة أمد الصراع واستنزاف القبائل، بما يمنع تشكل أي اصطفاف اجتماعي أو قبلي واسع ضد الجماعة.
ورغم تصاعد الانتهاكات والضغوط الأمنية، لا تزال القبائل اليمنية – بحسب متابعين – تحتفظ بقدرتها على الحشد والتأثير، وهو ما ظهر بوضوح في عدد من حالات "النكف" القبلي التي شهدتها محافظات الجوف وعمران خلال الفترة الأخيرة، حيث تمكنت القبائل في بعض الأحيان من فرض ضغوط مباشرة أجبرت الجماعة على التراجع عن بعض الإجراءات أو الإفراج عن شخصيات قبلية معتقلة.
كما يرى محللون أن القبيلة اليمنية ما تزال تمثل بالنسبة لكثير من اليمنيين "خط الدفاع الأخير" عن الهوية الاجتماعية للمجتمع، في ظل انهيار مؤسسات الدولة واتساع دائرة الصراع، وهو ما يجعل استهدافها قضية تتجاوز البعد الأمني إلى محاولة إعادة صياغة المجتمع اليمني نفسه.
لكن في المقابل، يحذر مراقبون من أن استمرار سياسة تغذية الثارات والصراعات القبلية قد يقود إلى نتائج خطيرة على المدى البعيد، أبرزها إنهاك القبائل داخليًا وتفكيك النسيج الاجتماعي وتراجع قدرة المجتمع على احتواء النزاعات وفق الأعراف التقليدية.
ويشير هؤلاء إلى أن أخطر ما في المشهد الحالي لا يتمثل فقط في تصاعد الاقتتال القبلي، بل في تحوله إلى حالة مستدامة تُستنزف فيها القبائل اقتصاديًا واجتماعيًا وبشريًا، بينما تتراجع تدريجيًا سلطة الأعراف والقيم التقليدية التي حافظت لعقود على قدر من التوازن داخل المجتمع اليمني.
ويخشى باحثون من أن يؤدي هذا المسار، إذا استمر، إلى إنتاج واقع اجتماعي جديد قائم على الانقسامات والثارات المفتوحة، بما يهدد بتفكك البنية القبلية في شمال اليمن وتحويلها من عامل استقرار اجتماعي إلى بؤر صراع دائم، الأمر الذي ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل السلم الأهلي ووحدة المجتمع اليمني.
حلقة جديدة في مسلسل الثأر
في أحدث التطورات، شهدت مديرية ريدة بمحافظة عمران مواجهات مسلحة بين مسلحين من بيت "هراش" وآل "الشبيرة"، عقب مقتل الشيخ جبران حزام ظفران هراش ونجله نصر في كمين مسلح نُصب لهما على خلفية قضية ثأر.
وقالت مصادر قبلية إن مجاميع مسلحة من قبيلة "هراش" شنت هجومًا على قرية "شبيرة"، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة بين الطرفين أسفرت عن إصابة الشاب علي محمد هراش، الذي توفي لاحقًا متأثرًا بجراحه.
وأضافت المصادر أن وساطات قبلية تدخلت لاحقًا لاحتواء الموقف، وتمكنت من فرض هدنة مؤقتة لمدة أربعين يومًا، مع تسليم متهمين في القضية إلى سلطات الحوثيين كرهائن إلى حين البت في النزاع.
غير أن الحادثة أثارت مجددًا تساؤلات واسعة حول الدور الذي تلعبه الجماعة الحوثية في إدارة النزاعات القبلية، خصوصًا في ظل اتهامات متكررة لها بالمشاركة في تأجيج الخلافات بدلًا من احتوائها.
وأكد وجهاء محليون أن أطقمًا عسكرية تابعة للحوثيين شاركت بصورة غير مباشرة في المواجهات، عبر تقديم دعم متباين لأطراف النزاع، وهو ما اعتُبر محاولة لإطالة أمد الاقتتال القبلي وتحويله إلى حالة استنزاف مستمرة.
ويرى مراقبون أن جماعة الحوثي تتعامل مع القبائل اليمنية باعتبارها التحدي الأكبر أمام مشروعها السياسي والفكري، نظرًا لما تمثله القبيلة من شبكة نفوذ اجتماعي قادرة على التعبئة والحشد وفرض التوازنات المحلية.
ولهذا، يقول باحثون ووجهاء قبليون إن الجماعة تبنت منذ سنوات سياسة تقوم على "تفكيك القبيلة من الداخل" عبر تأجيج الثارات، ودعم أطراف ضد أخرى، وإضعاف المرجعيات الاجتماعية التقليدية التي كانت تضطلع بحل النزاعات والحفاظ على التوازن داخل المجتمع القبلي.
ويؤكد الكاتب اليمني عادل الهرش أن ما يحدث في محافظات عمران والجوف وذمار وإب والبيضاء ليس أحداثًا منفصلة، بل جزء من "استراتيجية ممنهجة" تستخدم فيها الجماعة أدوات متعددة تشمل الاعتقالات والاغتيالات وإحياء الثارات والصمت المتعمد عن الاقتتال القبلي.
ويضيف أن الجماعة تدرك أن القبيلة اليمنية شكلت تاريخيًا خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية والجمهورية، ولذلك تعمل على إعادة تشكيل الولاءات على أسس طائفية وسلالية بديلة عن الأعراف القبلية التقليدية.
وتعد محافظة الجوف من أكثر المناطق التي شهدت تصعيدًا في المواجهة بين القبائل وجماعة الحوثي منذ سيطرة الأخيرة على مدينة الحزم ومحيطها في مارس 2020.
ومنذ ذلك الحين، فرض الحوثيون قبضة أمنية مشددة على المحافظة، شملت إنشاء نقاط تفتيش مسلحة وتقييد حركة أبناء القبائل والتدخل في شؤونهم الداخلية، بالتوازي مع حملات جباية واسعة وانتهاكات متكررة.
وخلال السنوات الماضية، شهدت الجوف صدامات متكررة بين القبائل والجماعة، تخللتها عمليات قتل واختطاف وتهجير ونهب للأراضي والممتلكات، إلى جانب استهداف مباشر لمشايخ القبائل والرموز الاجتماعية.
ويقول الشيخ سنان العراقي إن جماعة الحوثي تمارس ضغوطًا ممنهجة على قبائل دهم وبكيل عبر الترهيب والتدخل في الأعراف القبلية ومنع "النكف" و"المطارح" التي تمثل تقاليد أساسية في المجتمع القبلي اليمني. وأضاف أن الجماعة تتعامل مع الأعراف القبلية بانتقائية واضحة؛ فهي تسمح بها عندما تخدم مصالحها، لكنها تمنعها حين تتعلق بانتهاكاتها أو قضايا تمس نفوذها، ما تسبب في خلق حالة احتقان واسعة داخل المجتمع القبلي.
نقاط التفتيش.. بوابات الموت والتوتر
أصبحت نقاط التفتيش الحوثية، وفق مصادر حقوقية وقبلية، واحدة من أبرز أسباب التوتر في محافظة الجوف، بعدما تحولت إلى ما يشبه "مصائد للموت والإذلال". وخلال عام 2025، وثقت منظمة عدالة للحقوق والتنمية مقتل عدد من أبناء القبائل في نقاط تفتيش تابعة للجماعة، بينهم المواطن مبخوت هادي زبرة الذي قُتل أمام طفله في نقطة "مريخ"، إضافة إلى حوادث مشابهة طالت مواطنين آخرين.
ونقل رئيس المنظمة صالح عسكر تأكيدات إن الضحايا استُهدفوا وهم عزّل وفي ظروف تفتقر لأبسط معايير الضبط القضائي، معتبرًا أن نقاط التفتيش الحوثية تحولت إلى "مراكز للإعدام الفوري" تعكس انهيار منظومة القانون والحقوق في مناطق سيطرة الجماعة. وتؤكد مصادر قبلية أن كثيرًا من هذه الحوادث تتحول لاحقًا إلى قضايا ثأر جديدة، ما يوسع دائرة العنف ويعمق الانقسامات القبلية.
ضمن سياسة إضعاف القبيلة، تتهم الجماعة الحوثية باستهداف الرموز القبلية والمشايخ المؤثرين عبر الاعتقال أو الإخفاء أو التصفية أو الإقصاء الاجتماعي. وبرزت قضية اختطاف الشيخ حمد بن فدغم الحزمي كواحدة من أبرز القضايا التي فجرت غضبًا قبليًا واسعًا في الجوف، بعدما اختطفته الجماعة من منزله بطريقة وصفتها القبائل بأنها "مهينة وغير مسبوقة".
وأدت الحادثة إلى دعوات واسعة لـ"النكف" القبلي، واحتشاد قبائل دهم وبكيل في منطقة اليتمة، قبل أن تضطر الجماعة للإفراج عنه تحت ضغط القبائل. لكن الجماعة – بحسب مصادر محلية – سارعت لاحقًا إلى احتواء هذا الحراك عبر تصعيد أمني جديد، تمثل في مقتل الشيخ ناصر الصلاحي في نقطة تفتيش حوثية، ثم مقتل شقيقه لاحقًا في حادثة مشابهة.
ويرى الشيخ سعيد العصار أن استهداف الرموز الاجتماعية يهدف إلى خلق "فراغ قيادي" داخل القبيلة لتسهيل السيطرة عليها وإضعاف قدرتها على اتخاذ مواقف جماعية مستقلة.
ومن أخطر الممارسات التي أعادت الجماعة إحياءها، بحسب مصادر قبلية، نظام "الرهائن" الذي كان مستخدمًا خلال فترات الحكم الإمامي لإخضاع القبائل وضمان ولائها.
وفي مديرية الخلق بالجوف، فرض الحوثيون حصارًا على منازل بعض القبائل قبل أن يرفعوه مقابل تسليم أربعة رهائن، بينهم مشايخ قبليون ظلوا محتجزين لفترات طويلة في سجون الجماعة. كما اضطرت قبيلة بني نوف في مديرية المصلوب إلى تسليم اثنين من أبنائها كرهائن لوقف المواجهات ورفع الحصار العسكري المفروض عليها، قبل أن تصدر الجماعة لاحقًا أحكامًا بإعدامهما، ما فجّر حالة غضب واسعة ودفع القبائل إلى الدعوة لـ"النكف".
ويرى مراقبون أن إعادة العمل بنظام الرهائن يعكس محاولة لإحياء أدوات السيطرة القديمة وإخضاع القبائل عبر الضغط النفسي والاجتماعي.
وإلى جانب تغذية النزاعات، تتهم الجماعة الحوثية بتنفيذ تغييرات ديمغرافية في محافظة الجوف عبر شراء مساحات واسعة من الأراضي لصالح قيادات مرتبطة بها، إضافة إلى عمليات استيلاء بالقوة وتهجير للأسر من مناطق زراعية خصبة.
ووفق دراسات وتقارير محلية، جرى بيع ملايين الأمتار من الأراضي خلال السنوات الماضية لصالح جهات موالية للجماعة، في حين تعرضت مئات الأسر للتهجير القسري بعد فرض ملكيات بالقوة واستخدام النفوذ العسكري لترسيخ الأمر الواقع.
كما وثقت تقارير حقوقية اقتحام منازل واعتداءات على مدنيين رفضوا مغادرة أراضيهم، بما في ذلك استهداف نساء وأطفال خلال حملات التهجير.
القبيلة اليمنية.. صراع البقاء والهوية
رغم تصاعد الضغوط والانتهاكات، تؤكد القبائل اليمنية في الجوف وعمران وإب وغيرها أنها لا تزال قادرة على الحشد وفرض حضورها الاجتماعي، وهو ما ظهر في عدد من حالات "النكف" القبلي التي أجبرت الجماعة على التراجع عن بعض قراراتها.
لكن مراقبين يحذرون من أن استمرار سياسة تغذية الثارات وإضعاف الأعراف القبلية قد يؤدي على المدى الطويل إلى تفكك النسيج الاجتماعي واستنزاف القبائل داخليًا، بما يحد من قدرتها على مواجهة التحديات السياسية والأمنية.
ويؤكد باحثون أن الصراع الدائر اليوم لا يتعلق فقط بالنفوذ العسكري أو الأمني، بل يمتد إلى معركة أعمق تتعلق بإعادة تشكيل المجتمع اليمني وهويته التقليدية، في ظل محاولات حوثية لإحلال الولاءات الطائفية والسلالية محل البنية القبلية التي ظلت لعقود تمثل العمود الفقري للمجتمع في شمال اليمن.
ويرى الكاتب اليمني عادل الهرش أن ما يجري في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين لم يعد مجرد أحداث أمنية متفرقة أو نزاعات قبلية تقليدية، بل يمثل مشروعًا متكاملًا يستهدف البنية الاجتماعية اليمنية في عمقها، عبر تفكيك القبيلة وإضعاف دورها التاريخي باعتبارها أحد أهم مراكز القوة المجتمعية والسياسية في اليمن.
ويقول الهرش إن الجماعة تدرك أن القبيلة اليمنية لم تكن يومًا مجرد إطار اجتماعي، بل شكلت على مدى عقود شبكة حماية مجتمعية وسياسية حافظت على توازن المجتمع اليمني، وأسهمت في ضبط النزاعات، ووفرت حالة من التماسك الاجتماعي في مواجهة التحولات السياسية والحروب والصراعات.
وبحسب مراقبين، فإن القبيلة اليمنية ظلت تمثل إحدى أبرز العقبات أمام أي مشروع يسعى لفرض سلطة مركزية مطلقة أو إعادة تشكيل المجتمع على أسس طائفية ومذهبية، وهو ما يفسر – وفق هؤلاء – توجه الحوثيين نحو استهداف القبائل عبر أدوات متعددة تبدأ بتغذية الخلافات والثارات ولا تنتهي عند الاعتقالات والاغتيالات واستهداف المشايخ والرموز الاجتماعية.
ويضيف الهرش أن الجماعة تسعى بصورة ممنهجة إلى "نحر القبيلة من الداخل"، ليس فقط بالسلاح أو القوة الأمنية، وإنما أيضًا عبر ضرب منظومة الأعراف والتقاليد القبلية التي شكلت لعقود المرجعية الأساسية لتنظيم العلاقات داخل المجتمع القبلي.
ففي السابق، كانت الأعراف القبلية قادرة على احتواء كثير من النزاعات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة، من خلال "النكف" و"التحكيم" و"المطارح" وغيرها من الآليات التقليدية التي كانت تحظى باحترام واسع داخل المجتمع اليمني، إلا أن الجماعة – بحسب وجهاء قبليين – عملت على إضعاف هذه المرجعيات وإخضاعها لمنطق القوة والولاء السياسي.
ويرى مراقبون أن الحوثيين يحاولون إعادة تشكيل الولاءات داخل المجتمع القبلي على أسس "سلالية وطائفية"، بديلة عن منظومة الانتماء القبلي التقليدي القائمة على التوازن الاجتماعي والشراكة والوساطة القبلية، وهو ما أدى إلى خلق انقسامات حادة داخل بعض القبائل بين موالين للجماعة ورافضين لمشروعها.
وتجلت هذه السياسة – وفق مصادر قبلية – في تعيين مشرفين موالين للجماعة داخل القبائل، حتى وإن كانوا يفتقرون للحضور الاجتماعي أو المكانة التقليدية، مقابل تهميش المشايخ التاريخيين أو استهدافهم بالاعتقال والإقصاء، في محاولة لإعادة هندسة موازين النفوذ داخل المجتمع القبلي.
ويؤكد مراقبون أن الجماعة تتعمد أيضًا إحياء الثارات القديمة وتغذية النزاعات البينية، لإبقاء القبائل في حالة استنزاف داخلي دائم يمنع تشكل أي اصطفاف اجتماعي واسع ضدها، خصوصًا في المحافظات التي تتمتع بتركيبة قبلية قوية مثل الجوف وعمران ومأرب وإب.
>
