بين المرض والتضييق الحوثي.. اليمن تودّع فنان الأرض خالد الشريجة
السياسية - منذ ساعة و 11 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
ودّعت اليمن الفنان الشعبي خالد الشريجة، أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالتراث الزراعي والأهازيج الريفية، بعد رحلة طويلة مع المرض في صنعاء، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وثقافياً ظل لسنوات يوثق حياة المزارعين ومواسم الحصاد والبذر في الريف اليمني.
ورحل الشريجة عن عمر ناهز خمسين عاماً، في خسارة اعتبرها ناشطون ومثقفون تتجاوز فقدان فنان شعبي إلى غياب أحد أبرز حراس التراث الزراعي والغنائي في اليمن، والذي كرّس حياته لإحياء الأهازيج المرتبطة بالمزارعين ودورة الحياة الريفية في البلاد.
واشتهر الراحل بلقب "فنان الأرض"، وهو لقب لم يأتِ من فراغ، بل من ارتباط مشروعه الفني بالبيئة الزراعية اليمنية، حيث تحولت أعماله إلى مساحة توثيق شفهي لذاكرة الريف وأغاني البذر والحصاد ومواسم الأمطار والعمل الجماعي في المدرجات الجبلية.
ولم يكن الشريجة مجرد مؤدٍ للأغاني الشعبية، بل كان أقرب إلى باحث ميداني حمل همّ الحفاظ على التراث الشفهي الذي ظل لعقود جزءاً من الهوية الاجتماعية والثقافية لليمنيين، خصوصاً في الأرياف والمناطق الزراعية.
وفي محافظة حجة، أسس الراحل فرقة فنية متخصصة بإحياء الأغاني التراثية المرتبطة بالمزارعين، لتتحول فرقته إلى مشروع ثقافي يحاول إعادة الاعتبار للأهازيج الشعبية التي بدأت تتراجع بفعل الحرب والنزوح والتغيرات الاجتماعية.
وكانت أعماله تعكس تفاصيل الحياة الريفية اليمنية بكل ما تحمله من تعب وأمل وعلاقة روحية بين الإنسان والأرض، حتى بات صوته جزءاً من ذاكرة المزارعين ومواسمهم في عدد من المناطق اليمنية.
ولم يكن رحيل الشريجة حدثاً فنياً عابراً، بل أعاد إلى الواجهة الحديث عن الظروف القاسية التي يعيشها الفنانون والمبدعون في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين، وسط تضييقات متزايدة على الأنشطة الثقافية والفنية.
وتعرض الفنان الراحل خلال السنوات الماضية للاحتجاز والمضايقات في محافظة عمران، في إطار حملة قيود فرضتها الجماعة على الفعاليات الفنية والاجتماعية تحت ما تسميه "الهوية الإيمانية"، وهي سياسة يقول ناشطون إنها أدت إلى تجريف واسع للمشهد الثقافي والفني في مناطق سيطرتها.
ويرى مراقبون أن ما تعرض له الشريجة يعكس حالة أوسع يعيشها الفنانون اليمنيون، حيث تحولت الفنون الشعبية والغناء والتراث إلى أنشطة تواجه الريبة والتقييد، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بالمناسبات الاجتماعية أو الموروث الشعبي غير المنسجم مع الخطاب الأيديولوجي للجماعة.
ويؤكد مثقفون أن خسارة الشريجة تأتي في لحظة حرجة يواجه فيها التراث الشعبي اليمني تحديات غير مسبوقة، مع تراجع الاهتمام بالموروث الفني نتيجة الحرب والانقسام السياسي والأزمة الاقتصادية، إضافة إلى التضييقات المفروضة على الفنون في بعض المناطق.
وخلال سنوات الحرب، اختفت أو تقلصت عشرات الفعاليات الثقافية والفنية، كما توقفت فرق شعبية عديدة عن النشاط، بينما غادر كثير من الفنانين البلاد أو انسحبوا من المشهد بسبب الظروف المعيشية والقيود الأمنية.
وبحسب ناشطين، فإن الفن الشعبي في اليمن لم يكن مجرد وسيلة ترفيه، بل شكّل جزءاً من الهوية الجمعية للمجتمع، خصوصاً في البيئات الزراعية والريفية التي ارتبطت فيها الأغاني بالمواسم والعمل والتقاليد الاجتماعية. ورغم المرض والظروف الصعبة التي عاشها، ظل الشريجة حاضراً في المشهد الشعبي، مدافعاً عن التراث الزراعي والغنائي الذي كرّس حياته لتوثيقه وإحيائه.
وخيم الحزن على الأوساط الفنية والثقافية اليمنية عقب إعلان وفاته، حيث نعاه ناشطون ومثقفون باعتباره أحد أبرز الأصوات التي حافظت على الأغنية الشعبية المرتبطة بالأرض والمزارعين. واعتبر كثيرون أن تجربته الفنية مثلت نموذجاً للفنان المرتبط بقضايا الناس البسطاء وهموم الريف اليمني، بعيداً عن أنماط الغناء التجاري أو الاستهلاكي.
كما رأى آخرون أن رحيله يسلط الضوء على الحاجة الملحة لحماية التراث الشعبي اليمني من الاندثار، خصوصاً في ظل ما تتعرض له الفنون والأنشطة الثقافية من تهميش أو تضييق.
ويقول متابعون إن وفاة الشريجة بعد معاناة مع المرض تعكس أيضاً واقع الإهمال الذي يواجهه كثير من الفنانين اليمنيين، في ظل غياب منظومة حقيقية للرعاية الصحية والاجتماعية للمبدعين. ففي بلد مزقته الحرب، بات الفنانون والمثقفون من أكثر الفئات هشاشة، حيث يواجه كثير منهم الفقر والمرض والتهميش، وسط تراجع الدعم المؤسسي للقطاع الثقافي والفني.
وبرحيل خالد الشريجة، يطوي اليمن صفحة أحد الأصوات التي غنت للأرض والإنسان البسيط، فيما يبقى إرثه شاهداً على مرحلة حاول فيها فنان يمني أن يحفظ ذاكرة المزارعين وأغاني الحقول في مواجهة الحرب والتجريف والنسيان.
>
