تحليل: تفكيك الميليشيات في العراق لا يعني نهاية النفوذ الإيراني
العالم - منذ ساعة و 30 دقيقة
القدس، نيوزيمن، ترجمة:
اعتبر تحليل نشرته صحيفة جيروزاليم بوست أن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها بعض الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، بإعلان نزع سلاحها ودمج عناصرها ضمن مؤسسات الدولة الأمنية، لا تمثل تراجعاً للنفوذ الإيراني في العراق كما يروج البعض، بل تعكس مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أدوات النفوذ وترسيخ ما وصفه بـ"الدولة العميقة" التي بنتها طهران داخل مؤسسات الحكم العراقية على مدى سنوات.
ورأى المحلل السياسي البريطاني جوناثان سباير أن الترحيب الأمريكي والغربي بقرارات كل من عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي بتسليم أسلحتهما للدولة العراقية، ينطلق من قراءة متفائلة تعتبر هذه الخطوات مؤشراً على استعادة بغداد لسيادتها وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.
وكانت عصائب أهل الحق قد أعلنت تشكيل لجنة خاصة للإشراف على عملية التسليم وإعداد جرد شامل للأسلحة التابعة لها، فيما أكدت كتائب الإمام علي أن قرارها جاء انطلاقاً من "المسؤولية الوطنية" وتعزيزاً للوحدة الوطنية وحفاظاً على ما وصفته بمكاسب النصر.
وأشاد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك بهذه الخطوات، معتبراً أنها تؤسس لمرحلة جديدة من الحكم العراقي المستقل وتدعم استعادة السيادة والاستقرار. إلا أن التحليل يرى أن هذه القراءة تتجاهل طبيعة التحولات الجارية داخل معسكر القوى الموالية لإيران.
ويشير سباير إلى أن هذه التطورات جاءت بعد أيام من إعلان رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر دمج القدرات المسلحة التابعة لسرايا السلام ضمن مؤسسات الدولة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كان العراق يشهد بالفعل بداية تفكيك المنظومة الميليشياوية التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.
غير أن الكاتب يرفض هذا التفسير، مؤكداً أن ما يحدث لا يتعلق بتفكيك النفوذ الإيراني، بل بإعادة هندسة أدواته بما يضمن استمرار السيطرة بأشكال أكثر رسوخاً وأقل عرضة للضغوط الدولية.
ويضع التحليل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان في قلب هذه التحولات، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز صناع القرار في العراق وأكثر الشخصيات تأثيراً في رسم التوازنات السياسية منذ سنوات. وبحسب التحليل، فإن زيدان لا يمثل خصماً للمشروع الإيراني داخل العراق، بل يعد جزءاً من بنيته السياسية والمؤسسية.
واستند الكاتب إلى دراسات وتقارير بحثية أمريكية سابقة تحدثت عن الدور الذي لعبه زيدان خلال أزمة تشكيل الحكومة العراقية عقب انتخابات 2021، حين ساهمت قرارات قضائية صدرت عن المحكمة الاتحادية في تعطيل جهود القوى المناهضة لإيران لتشكيل حكومة أغلبية، الأمر الذي مهد لاحقاً لعودة القوى الموالية لطهران إلى صدارة المشهد السياسي.
ويشير التحليل إلى أن النفوذ الإيراني في العراق لم يعد يعتمد فقط على الميليشيات المسلحة التقليدية، بل أصبح متغلغلاً في مؤسسات الدولة السياسية والقضائية والأمنية، ما يجعل الحديث عن تراجع هذا النفوذ نتيجة تسليم بعض الفصائل لأسلحتها أمراً مبالغاً فيه.
ووفقاً للكاتب، فإن الخطوة التي اتخذتها عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي تمثل محاولة من شبكة سياسية مرتبطة بفائق زيدان لتعزيز موقعها داخل النظام العراقي وإعادة توزيع مراكز القوة بما يقلل من المخاطر الناتجة عن الضغوط والعقوبات الأمريكية، دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض النفوذ الإيراني نفسه.
كما يلفت التحليل إلى أن الصراعات القائمة بين شخصيات وقوى شيعية نافذة في العراق، مثل الخلافات بين معسكر نوري المالكي وبعض خصومه، لا تعني وجود انقسام بين قوى موالية لإيران وأخرى مناهضة لها، بل تعكس تنافساً داخلياً على النفوذ والمصالح داخل المعسكر المرتبط بطهران.
وخلص سباير إلى أن ما يجري في بغداد لا يمثل انتصاراً للسيادة العراقية أو بداية انحسار قبضة الحرس الثوري الإيراني، بل يكشف عن مرونة المشروع الإيراني وقدرته على إعادة إنتاج نفسه داخل مؤسسات الدولة. ويرى أن عملية دمج الميليشيات في الأجهزة الرسمية قد تكون في جوهرها انتقالاً من النفوذ العسكري المباشر إلى نفوذ مؤسساتي أكثر عمقاً واستدامة، بما يضمن استمرار التأثير الإيراني في العراق حتى في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.
>
