من حليف إلى خصم محتمل.. هل تدفع انتهاكات الحوثيين المتصاعدة القبائل نحو المواجهة؟
السياسية - منذ ساعة و 44 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
لم تعد العلاقة بين جماعة الحوثي والقبائل اليمنية في مناطق سيطرتها كما كانت في السنوات الأولى للحرب. فبعد أن شكلت القبائل إحدى أهم ركائز النفوذ الحوثي وأحد أبرز عوامل تمدد الجماعة في شمال اليمن، بدأت مؤشرات التوتر تتصاعد بصورة لافتة، مدفوعة بسلسلة من الانتهاكات والإجراءات التي ترى فيها القبائل استهدافاً مباشراً لمكانتها التاريخية ونفوذها الاجتماعي.
وتأتي قضية الشيخ القبلي البارز حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، أحد أبرز مشايخ محافظة الجوف، لتسلط الضوء مجدداً على حجم الأزمة المتنامية بين الجماعة والبيئة القبلية التي اعتمدت عليها طويلاً في تثبيت سلطتها. فاختطاف الشيخ فدغم واحتجازه لأسابيع، ثم خروجه للحديث علناً عن تعرضه للتنكيل والتعذيب النفسي والضغوط التي مورست عليه داخل المعتقل، أعاد إلى الواجهة تساؤلات واسعة حول مستقبل العلاقة بين الحوثيين والقبائل، وإلى أي مدى يمكن أن تتحول حالة الاحتقان المتراكمة إلى مواجهة مفتوحة.
حادثة فدغم.. شرارة غضب قبلي متصاعد
في الثاني عشر من مايو الماضي أقدمت جماعة الحوثي على اختطاف الشيخ حمد بن فدغم وربيعته "ميرا" في نقطة الحتارش شمال صنعاء أثناء توجههما إلى محافظة الجوف، بعد أن لجأت الأخيرة إليه مطالبة بإنصافها إثر مصادرة ممتلكاتها من قبل الجماعة.
وبعد نحو شهر ونصف من الاحتجاز، أُفرج عن الشيخ فدغم وربيعته، ليغادر مناطق سيطرة الحوثيين نهائياً متوجهاً إلى مديرية خب والشعف شرق محافظة الجوف، حيث حظي باستقبال قبلي واسع من قبائل المرازيق وبني نوف التابعة لقبائل دهم.
وفي أول ظهور له عقب الإفراج، تحدث الشيخ فدغم عن تعرضه لما وصفه بأشد أنواع التعسف والإذلال، مؤكداً أنه حُرم من العلاج رغم ظروفه الصحية، كما تعرض لضغوط وتهديدات لإجباره على الاعتراف بقضايا لا علاقة له بها.
غير أن المشهد الأكثر دلالة كان إقدامه على كسر "الجَفْل" الخاص بجنبيته أمام الحشود القبلية، وهي خطوة تحمل في الأعراف اليمنية رمزية كبيرة، إذ تُعد إعلاناً للاستنجاد بالقبائل وطلب النصرة، وتضع القضية في إطار الشرف والكرامة القبلية التي يصعب تجاوزها أو تجاهلها.
تحالف الضرورة
منذ سيطرتها على صنعاء أواخر عام 2014، أدركت جماعة الحوثي أن إخضاع القبائل أو ضمان حيادها يمثل مفتاح البقاء والسيطرة في شمال اليمن.
ولهذا عملت الجماعة على بناء شبكة واسعة من التحالفات القبلية، مستفيدة من الإرث السياسي الذي خلفه النظام السابق ومن الانقسامات التي عصفت بالمشهد اليمني خلال سنوات الحرب.
لكن تلك العلاقة لم تكن في جوهرها قائمة على توافق فكري أو عقائدي عميق، بل على اعتبارات المصلحة والضرورة التي فرضتها الظروف العسكرية والسياسية آنذاك. فالقبائل اليمنية، بحكم طبيعتها الاجتماعية، اعتادت الحفاظ على قدر من الاستقلالية ورفض الخضوع المطلق لأي سلطة سياسية أو دينية، وهو ما جعل العلاقة مع الحوثيين محكومة دائماً بحالة من الحذر المتبادل.
استهداف البنية القبلية التقليدية
ويرى متابعون للشأن اليمني أن جذور التوتر الراهن لا ترتبط فقط بحوادث الاعتقال أو الانتهاكات الفردية، بل تتصل بما تعتبره القبائل عملية ممنهجة لإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل المجتمع القبلي.
فعلى مدى السنوات الماضية، وسّعت الجماعة من نفوذ ما يُعرف بـ"المشرفين الحوثيين" في المديريات والقرى، ومنحتهم صلاحيات واسعة تجاوزت في كثير من الأحيان سلطة المشايخ التقليديين.
كما عمدت إلى دعم شخصيات موالية لها ومنحها امتيازات ونفوذاً اجتماعياً على حساب القيادات القبلية التاريخية، الأمر الذي اعتبرته كثير من القبائل محاولة لإعادة هندسة المشهد الاجتماعي بما يخدم مشروع الجماعة ويقلص من استقلالية القرار القبلي.
وبالنسبة للقبائل، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالصراع على النفوذ، بل تمس منظومة متكاملة من الأعراف والتقاليد التي ظلت لعقود طويلة تنظم العلاقات الاجتماعية وتحافظ على التوازن داخل المجتمع اليمني.
الإهانة التي لا تُنسى
في الثقافة القبلية اليمنية لا يُنظر إلى الشيخ باعتباره شخصاً عادياً أو زعيماً محلياً فحسب، بل يمثل رمزاً لكرامة القبيلة وهيبتها ومكانتها الاجتماعية.
ولهذا فإن أي اعتداء أو إهانة يتعرض لها شيخ قبلي غالباً ما يُفهم على أنه استهداف مباشر للقبيلة بأكملها، وليس للفرد وحده.
وخلال السنوات الأخيرة تكررت حوادث اعتقال أو إهانة شخصيات قبلية في مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما ساهم في تراكم مشاعر السخط داخل الأوساط القبلية، حتى وإن لم ينعكس ذلك بصورة مباشرة على شكل مواجهات مسلحة واسعة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه السياسات قد يدفع القبائل إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة التي تربطها بالجماعة، خاصة مع تزايد الشعور بأن الحوثيين لم يعودوا يتعاملون مع القبائل كشركاء أو حلفاء، بل ككيانات ينبغي إخضاعها وتقييد نفوذها.
بين الخوف والرفض
ورغم اتساع دائرة التذمر، لا تزال معظم القبائل تتجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها القبضة الأمنية والعسكرية الصارمة التي تفرضها الجماعة، والخشية من الانتقام، فضلاً عن حالة الانقسام التي تعاني منها بعض القبائل نتيجة سنوات الحرب الطويلة.
كما نجحت الجماعة في استقطاب عدد من القيادات القبلية وإضعاف أخرى عبر مزيج من الترغيب والترهيب والضغوط الاقتصادية، الأمر الذي حدّ من قدرة القبائل على تشكيل موقف موحد تجاه سياسات الحوثيين.
إلا أن هذا الواقع لا يعني بالضرورة وجود تأييد حقيقي أو قناعة واسعة بمشروع الجماعة، إذ يرى كثير من المراقبين أن قطاعاً كبيراً من القبائل يتعامل مع الحوثيين بوصفهم سلطة أمر واقع فرضتها الظروف أكثر من كونهم خياراً يحظى بقبول شعبي واجتماعي راسخ.
أزمة تتجاوز السياسة
وتتجاوز الأزمة الحالية حدود الخلاف السياسي لتلامس البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع اليمني.
فالقبيلة التي قامت تاريخياً على مبادئ الشورى والتوافق والاحتكام إلى الأعراف المحلية، تجد نفسها اليوم أمام مشروع ذي طابع أيديولوجي يسعى إلى إعادة صياغة الولاءات الاجتماعية وفق مرجعيات مختلفة.
ويرى باحثون أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إضعاف البنية القبلية التقليدية التي لعبت لعقود دوراً محورياً في حفظ التوازنات الاجتماعية واحتواء النزاعات المحلية، وهو ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي في مناطق واسعة من البلاد.
هل تقترب لحظة الانفجار؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على تمرد قبلي شامل ضد جماعة الحوثي، غير أن حجم الاحتقان المتراكم والتذمر المتزايد من ممارسات الجماعة يثيران تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين الطرفين.
فالتاريخ اليمني يظهر أن القبائل قد تبدو هادئة لفترات طويلة، لكنها تتحول في لحظات معينة إلى قوة حاسمة عندما تشعر بأن كرامتها أو مكانتها التاريخية أصبحت مهددة.
ومع تكرار حوادث الاعتقال والإهانة والتهميش، واتساع الفجوة بين الجماعة والبيئة القبلية، تبدو احتمالات الانفجار الاجتماعي والسياسي أكثر حضوراً من أي وقت مضى، حتى وإن ظلت ملامحه النهائية غير واضحة حتى الآن.
رصيد القوة الذي قد يتحول إلى تهديد
في المحصلة، تبدو جماعة الحوثي أمام معادلة معقدة؛ فالقوة القبلية التي ساعدتها على تثبيت نفوذها خلال سنوات الحرب قد تتحول مستقبلاً إلى أحد أكبر التحديات التي تواجهها إذا استمرت سياسات الإقصاء والإخضاع.
فكل انتهاك جديد بحق المشايخ والأعيان، وكل محاولة لتقويض الأعراف القبلية أو مصادرة دورها التاريخي، يضيف طبقة جديدة من الاحتقان داخل مجتمع ظل ينظر إلى الكرامة والاعتبار الاجتماعي باعتبارهما خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.
ولهذا، فإن مستقبل العلاقة بين الحوثيين والقبائل لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة الجماعة على التعامل مع مجتمع قبلي يرى في احترام الأعراف والكرامة أساساً لأي علاقة سياسية قابلة للاستمرار.
>
