فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

الثورة بين الحدث السياسي والحدث التاريخي.. اليمن أنموذجاً

الجمعة 01 أكتوبر 2021 الساعة 04:34 م

الفرق بين أن يسجل التاريخ السياسي -في أي مجتمع يخوض معركة التغيير الثوري- تاريخ ثوار ومناضلين، أو تاريخ ثورة له دلالة كبيرة ليس في مسار التقدم نحو المستقبل فقط، وإنما في وصف الحدث الثوري سياسياً، 

فإذا كان تاريخ الثوار كمناضلين يرصد لنا خطوات وتحركات وأدوار أشخاص أو قيادة تنظيم سياسي، وكيف خطط هؤلاء ونفذوا ونجحوا في القضاء على الحاكم واستولى على أجهزة السلطة كما هو حالنا ونحن نقرأ ما كتب عن علي عبد المغني وعبدالله جزيلان وعن تنظيم الضباط الأحرار في ثورة سبمتبر، وعن الجبهة القومية وعن دور سلطان عمر وفيصل الشعبي وقحطان وفتاح ومقبل والبيض وغيرهم في ثورة أكتوبر.. كل هذا الرصد هو في المجمل تاريخ الفعل الثوري الذي تحرك في سبيل هدم الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي الذي كان يعيش في ظله اليمنيون شمالاً وجنوباً، وتكمن قيمة هذا التاريخ بكونه تاريخ ثوار وقيادات وطنية نذرت أنفسها رخيصة في سبيل أن تحيا اليمن، لهذا يستحق هؤلاء أن يظلوا أحياء في ذاكرتنا الوطنية.

لكن الثورة تظل إلى هذه النقطة التي يسجلها التاريخ السياسي، أي تاريخ الاستيلاء على السلطة، حدثا سياسيا ليس إلا، لأن الثورة وهي تخوض معركة التغيير تظل في هذه النقطة مكشوفة ومفتوحة على سؤال ماذا بعد الاستيلاء على السلطة؟

بمعنى آخر هل سيتغير التوجه أم ستتغير الوجوه الحاكمة فقط؟

ربما كان المناضل نيلسون مانديلا هو الثائر الذي وصف إشكالية هذه النقطة الحرجة في مسار الثورة -وهي إشكالية تتصف بها الثورات في اليمن- بالقول "إن هدم الظلم أسهل بكثير من بناء العدل"، وكيف لا وهو الثائر الذي قاد بنجاح مسار الفعل الثوري والمشروع الثوري في جنوب افريقيا وعلى نفس هذه المقاربة يقول المفكر محمد جابر الأنصاري: العربي يستطيع أن يهدم ما يريد لكنه لا يستطيع أن يبني ما يريد!

أما الحديث عن تاريخ الثورة فإنه يبدأ مع تكوين السلطة السياسية للثورة، وهو رصد للمنجزات التي حققتها سلطة الثورة في واقع الناس بعد أن استولى الثوار على الحكم، وهذا التاريخ ليس معنيا بالإجابة على سؤال ماذا بعد الاستيلاء على السلطة فقط بل معني أيضاً بالتوصيف السياسي للحدث الثوري، هل يمثل في حقيقة الأمر، حدثا سياسيا أو حدثا تاريخيا في مسار التقدم نحو المستقبل، بمعنى إذا استطاعت سلطة الثورة أن تطبق أهداف الثورة، وأن تحول مشروع الثورة إلى واقع يعيشه الناس، فإن الثورة مع هذه المنجزات تكون قد تجاوزت الحدث السياسي وتحولت إلى حدث تاريخي، ومرد ذلك أن المجتمع مع هكذا حال أصبح يشهد تحولات تاريخية جذرية في ظل سلطة الثورة، وهذه التحولات سوف تؤسس بطبيعة الحال لوجود الدولة والوطن.

غير أن هذه التحولات الجذرية التي تمنح الثورة وصف الحدث التاريخي بدلالاته المستقبلية، تتطلب في المقام الأول أن لا يشهد مسار الثورة انفصالا بين فكرة الثورة أو مشروعها الثوري، وبين سلطتها الثورية كما حدث مع انقلاب 5 نوفمبر 1967م الذي أطاح بسلطة الثورة الحاكمة في شمال اليمن، لا سيما وأن هذا الانقلاب الذي أطاح بسلطة الثورة حدث بعد شهور من تولي ثوار ال14 أكتوبر مقاليد الحكم في الجنوب وهو ما ساهم إلى حد كبير في تأسيس معادلة صراع بين سلطة الثورة في الجنوب وسلطة الانقلاب على الثورة في الشمال، الأمر الذي دفع بهذه الأخيرة إلى تصفية العناصر الثورية من داخل أجهزة السلطة العسكرية والمدنية، وتأسيس سلطة الانقلاب الحاكمة في صنعاء على أساس تحالف القوى التقليدية (قوى أصولية وقوى عسكرية وقوى قبلية تقود هذا التحالف) الذي عطل العمل بأهداف ثورة ال26 من سبتمبر في شمال اليمن

في جنوب اليمن وبعد أربع سنوات من الكفاح المسلح بقيادة الجبهة القومية، نجح ثوار ال14 من أكتوبر في استلام مقاليد الحكم، إلا أن سلطة الثورة بعد ذلك دخلت في صراع أجنحة وتوجهات مستقبلية إلا أن السلاح هو من كان يحسم نتائج هذا الصراع الذي بدأ أيديولوجيا وانتهى سياسياً في 1986 ومع ذلك فإن مسار الثورة في الجنوب لم يتعرض للانقلاب الذي يفصل بين سلطة الثورة ومشروعها الثوري، كما حدث في شمال اليمن، وسبب ذلك يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية.

العامل الأول:

أن الثورة المسلحة في جنوب اليمن، لم تسمح للاحتشاد اللا ثوري داخل معسكرها من اول يوم اندلعت فيها الثورة وحتى يوم الاستقلال واستلام السلطة، حتى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وهو الداعم الأول للجبهة القومية في كفاحها المسلح، لم ينجح في محاولته في دمج الجبهة القومية التي فجرت الثورة في 1963 مع منظمة التحرير التي تأسست في 1964 تحت مسمى جديد (جبهة التحرير) التي تأسست في عام 1966 على إثر إجبار بعض قيادات الجبهة القومية في القاهرة على توقيع بيان الدمج والاشهار، إلا أن قيادة الداخل في الجبهة القومية التي كانت تخوض معركة التحرير ضد البريطانيين رفضت هذا الدمج الذي اعتبرته قسرياً لثلاثة أسباب:

أول هذه الأسباب أن منظمة التحرير هي بالأساس تحالف سياسي بين أحزاب سياسية وبعض الحكام من السلاطين الذين كانوا موالين منذ عقود للحاكم البريطاني في عدن، ناهيك عن كون هذه الأحزاب لم تفقد شخصيتها وتذوب في منظمة التحرير مثل الفصائل التي ذابت في تشكيل مسمى الجبهة القومية، بمعنى آخر كانت منظمة التحرير عبارة عن تحالف سياسي تأسس بهدف مواجهة زخم الجبهة القومية حين كانت هذه الاخيرة تخوض معركة التحرير وتحقق الانتصارات.

ثاني هذه الأسباب أن قيادات منظمة التحرير كانت تضم قيادات سياسية تقليدية (الجفري، الاصنج، باسندوة) وقفت ضد تشكيل الجبهة القومية وضد ثورة أكتوبر التي تبنت الكفاح المسلح بل إنها أصدرت كتيبا يسفه ثورة أكتوبر المسلحة، رغم فشلها في انتزاع الاستقلال الوطني عن طريق المفاوضات السياسية مع البريطانيين، زد على ذلك أن وجود أحد السلاطين في قيادة منظمة التحرير، وهو في الأساس وجود سياسي يمثل نظاما سياسيا قسم جنوب اليمن إلى 22 سلطنة ومشيخة والأكثر من ذلك أن هؤلاء السلاطين فضلوا البقاء في السلطة مقابل التنازل عن السيادة الوطنية، ما يعني أن قبول مثل هؤلاء في معسكر الثورة سوف يزيد من قوتهم السياسية والاجتماعية في حين أنهم بعد ذلك لن يتنازلوا عن امتيازاتهم السلطوية لصالح وجود دولة حاكمة فوقهم كما هو حال شيوخ القبيلة مع سلطة الثورة في الشمال.

ثالث هذه الأسباب المتعلقة برفض الجبهة القومية لمسألة الدمج مع منظمة التحرير كان يعود إلى إدراك قيادة الجبهة القومية لحقيقة أن مشروع الدمج كان يعود إلى حدوث اخترقات للمخابرات المصرية وكذلك للضغوطات التي مورست داخل الجامعة العربية بقيادة السعودية ودول الخليج لا سيما وأن الإصرار على الدمج حدث بعد أن أصبحت الجبهة القومية قريبة من تحقيق الانتصار بعام واحد، وهو العام الذي بدأت فيه التحولات الأيديولوجية دخل صفوف الجبهة القومية لصالح الاشتراكية العلمية على حساب القومية، لهذا بدأت يومها تهمة الشوعية تلاحق ثوار أكتوبر ولعل المقالح في قصيدة (ثوار حمر) كان يدافع عن بطولة هؤلاء الثوار، واذا كانت هذه التحويلات الأيديولوجية لم تكن محل ترحيب لدى القيادة في مصر والسعودية إلا أن السعودية كانت تريد أن تدفع بأي قوى تقليدية إلى قيادة الثورة في الجنوب حتى تستطيع بعد ذلك أن تحتوي راديكالية سلطة الثورة كما كان يجري التخطيط له في الشمال، ومع ذلك فإن الجبهة القومية وقفت بحزم ضد أي احتشاد لا ثوري ينضم إلى معسكر الثورة. كما حدث في الشمال، الأمر الذي أدى إلى حماية مسار الثورة في الجنوب من أي انقلاب يفصل بين مشروع الثورة وسلطتها الثورية.

العامل الثاني: 

أن سلطة الثورة في الجنوب لم تستغن أثناء حكمها عن تنظيمها الثوري (الجبهة القومية) بل ظل التنظيم الثوري هو المدرسة السياسية التي تخرج منها الرؤوسا، الأمر الذي جعل مسار السلطة محكوما بحامل سياسي ثوري في حين أن سلطة الثورة في الشمال استغنت عن تنظيمها الثوري (تنظيم الضباط الأحرار) الذي اختفى من أول يوم تشكلت فيها سلطة الثورة، ناهيك أن سلطة الثورة اتخذت قرارا جمهوريا يحظر العمل الحزبي، وآخر يؤسس للوجود القبلي داخل مؤسسات السلطة، الأمر الذي جعل سلطة الثورة في الشمال تصارع بدون حامل سياسي أو تنظيم ثوري، وهذا بحد ذاته سهل مهمة الانقلاب عليها لصالح القوى التقليدية القبلية التي زحفت على السلطة من خارج التنظيم الثوري.

العامل الثالث:

أن جولات الصراع التي حدثت بعد الثورة في الجنوب حسمت كلها لصالح القوى الأكثر راديكالية بعكس الصراع الذي حدث في الشمال كان يحسم دائماً لصالح القوى التقليدية القبلية، لهذا تأسست السلطة في شمال اليمن لا سيما منذ انقلاب 5 نوفمبر 1967 على عصبية القبيلة السياسية التي تحالفت مع القوى الأصولية في حين تأسست السلطة في الجنوب على عصبية الحزب السياسي الذي تحالف مع مكونات سياسية حزبية، والسبب في ذلك يعود إلى غياب التنظيم الثوري في ظل سلطة الثورة في الشمال وبقاؤه فاعلاً في ظل سلطة الثورة في الجنوب، ناهيك أن الفرق بين العصبيتين يكمن في كون عصبية الحزب هي عصبية مشروع سياسي يعبر في نفس الوقت عن حالة وطنية لكون عضوية الحزب تظل مفتوحة على كل أبناء الوطن، أما عصبية القبيلة لا تمثل في كل الأحوال مشروعا سياسيا ولا تمثل حالة وطنية، لأن أفرادها ينتمون إلى منطقة معينة، الأمر الذي أدى في النتيجة النهائية إلى أن التجربة السياسية في الشمال أنتجت سلطة قبلية ممانعة لوجود الدولة لكون عصبيتها التي ابتلعت السلطة تتعارض مع الفكرة الوطنية، في حين أن التجربة السياسية في الجنوب أنتجت سلطة حزبية أسست لوجود الدولة وعلى وجه التحديد دولة النظام والقانون، وهذا ما يجعل ثورة أكتوبر في جنوب اليمن تشكل حدثا تاريخيا وليس حدثا سياسيا، كما هو حال ثورة سبتمبر في شمال اليمن.