رسالة استراتيجية للضغط.. غارات تبريز تكشف هشاشة الاقتصاد الإيراني
العالم - Wednesday 01 April 2026 الساعة 09:25 pm
واشنطن، نيوزيمن:
استهدفت غارات جوية وحدة إنتاجية في مجمع تبريز للبتروكيماويات شمال غرب إيران، في أول استهداف مباشر للبنية التحتية الاقتصادية الحيوية للبلاد، بعيدًا عن المنشآت النووية أو العسكرية التقليدية.
ويُنظر إلى هذا التصعيد على أنه رسالة واضحة من واشنطن وتل أبيب للحد من قدرة إيران على الصمود اقتصاديًا، لا سيما في ظل مرونتها العالية في تعويض قيود صادرات النفط الخام عبر قطاع البتروكيماويات.
وأوضح الخبير الاستراتيجي في مجال الطاقة أمود شكري، في تحليله على منتدى الشرق الأوسط، أن "استهداف البتروكيماويات يشكل خطوة متقدمة في الضغط الاقتصادي على إيران، لأنه يضرب مصدر دخل مستقر نسبيًا، ويُظهر هشاشة القطاعات الحيوية التي تدعم الاقتصاد الإيراني في مواجهة العقوبات".
ويمثل مجمع تبريز للبتروكيماويات محورًا صناعيًا رئيسيًا في الاقتصاد الإيراني، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى نحو 870 ألف طن، تشمل منتجات مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين والبوليسترين وأكريلونيتريل بوتادين ستايرين، التي تلبي احتياجات السوق المحلية والتصديرية في آسيا. وتعتمد إيران على هذا القطاع لتعويض القيود المفروضة على صادرات النفط الخام، إذ يدر نحو 15 مليار دولار سنويًا ويدعم صناعات أساسية مثل البلاستيك والبناء والتعبئة والتغليف. وقد بلغ إجمالي صادرات المجمع نحو 23 مليون دولار في الأشهر التسعة الأخيرة من عام 2025، ما يعكس أهميته الاقتصادية رغم محدودية القيمة مقارنة بالنفط.
وأشار شكري إلى أن "البتروكيماويات تمثل شريانًا حيويًا لاقتصاد إيران غير النفطي، واستهدافها يهدد قدرة الدولة على تمويل وارداتها، ويضعف استقرار العملة، ويزيد من الضغوط التضخمية، ما يجعل أي اضطراب في هذا القطاع حساسًا للغاية".
وأعلنت شركة تبريز للبتروكيماويات أن فرق الطوارئ تمكنت من السيطرة على الحريق دون وقوع إصابات أو تسرب مواد خطرة، فيما يقوم المهندسون حاليًا بتقييم الأضرار وتأثيرها على العمليات التشغيلية. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن استهداف المنشآت الاقتصادية الحيوية يعكس تحولًا في استراتيجية الضغط على إيران، مع التركيز على تقويض إيراداتها من العملات الأجنبية وإضعاف قاعدتها الصناعية، بدلاً من مجرد الأهداف العسكرية التقليدية.
وفي تعليق آخر، أشار شكري إلى أن "الهجوم على تبريز يمثل تحذيرًا من أن الولايات المتحدة وإسرائيل مستعدتان لتوسيع الاستهداف ليشمل القطاعات الاقتصادية الحيوية، وليس فقط العسكرية، وهو ما يخلق ضغوطًا مركبة على صمود إيران ويجعلها أمام خيارات صعبة بين الرد العسكري أو التقييد الاقتصادي".
ويشير الخبراء إلى أن أي اضطراب في الإنتاج أو الصادرات يمكن أن يؤدي إلى انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي وزيادة الضغوط التضخمية محليًا، كما سيزيد من تكلفة التأمين والأمن على المنشآت، ويعطل خطط التوسع الصناعية الإيرانية.
وأوضح شكري أن "الأضرار حتى لو كانت محدودة على المدى القصير، إلا أن استمرار الهجمات سيجبر إيران على إعادة توجيه الموارد نحو الإصلاحات والصيانة، ما يزيد التكاليف التشغيلية ويقلل الكفاءة الصناعية على نطاق أوسع".
وتأتي هذه الضربة ضمن دورة تصعيد أوسع منذ فبراير/شباط 2026، حيث توسعت الضربات الأمريكية والإسرائيلية لتشمل المطارات ومستودعات الوقود والمواقع الصناعية، بينما ردّت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة على أهداف إسرائيلية وإقليمية، مع استمرار الجماعات الوكيلة في تعطيل البنية التحتية للطاقة والشحن. ويُحذر الخبراء من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى اضطرابات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وخليج عدن، مما يضاعف تأثيره على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، قال شكري: "إيران تستطيع تهديد الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، وأي اضطرابات جديدة ستزيد من تكاليف الشحن وأقساط التأمين، وبالتالي سيكون لها تأثير مباشر على أسعار النفط والإمدادات العالمية، ما يجعل الاستقرار الإقليمي مترابطًا بالاقتصاد العالمي".
قد تؤدي الاضطرابات في تبريز إلى تضييق الإمدادات العالمية من البتروكيماويات، مما يرفع أسعار البلاستيك والأسمدة والمدخلات الصناعية، ويزيد من المنافسة على البدائل في الأسواق الآسيوية والغربية. كما يمكن للمنافسين الإقليميين في السعودية والإمارات وقطر الاستفادة من انخفاض الإنتاج الإيراني لتعزيز حصتهم السوقية على المدى القصير، بينما تتسارع الحاجة لاستثمار مراكز إنتاج بديلة في حال استمرار عدم الاستقرار.
ويعكس الهجوم على مجمع تبريز هشاشة استراتيجية "اقتصاد المقاومة" الإيرانية، التي اعتمدت على البتروكيماويات لتعويض قيود النفط، واستمرار صمودها في مواجهة العقوبات. ويواجه صانعو السياسات في طهران معضلة حرجة: إما تصعيد الردود العسكرية وخطر نزاع أوسع، أو الحد من الردود ومواجهة المزيد من الضربات الاقتصادية، مع آثار محتملة على التضخم والعملات والإيرادات الحكومية.
وأشار شكري إلى أن "الهجمات على مجمعات البتروكيماويات لن تؤدي إلى حرب شاملة، لكنها تزيد من مخاطر سوء التقدير، وتضع إيران أمام خيار صعب بين الرد العسكري المكلف أو الاستمرار في الصمود الاقتصادي المتقشف".
>
