تقرير بريطاني: واشنطن كرست نفوذ الحوثيين بدل إنهائه في البحر الأحمر

السياسية - منذ ساعة و 8 دقائق
لندن، نيوزيمن، ترجمة:

كشفت صحيفة «إندبندنت» البريطانية أن إيران ما تزال تحتفظ بقدرات واسعة لخوض "حرب خفية" طويلة الأمد ضد الولايات المتحدة في المنطقة، مستفيدة من شبكة أدواتها غير التقليدية وفي مقدمتها مليشيا الحوثي في اليمن، التي تحولت – وفق الصحيفة – إلى أحد أبرز أوراق الضغط الإيرانية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وقالت الصحيفة في تقرير موسع إن تجربة المواجهة الأمريكية مع الحوثيين في البحر الأحمر خلال عملية "الفارس الخشن" عام 2025 انتهت بنتائج محدودة، بعدما تراجعت واشنطن عن أهدافها الكبرى واكتفت بحماية السفن الأمريكية فقط، وهو ما منح الحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم كقوة صامدة نجحت في فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن هذه النتيجة لم تعزز فقط مكانة الحوثيين داخل ما يسمى "محور المقاومة" المدعوم من إيران، بل منحت طهران أيضاً نموذجاً عملياً لكيفية إدارة المواجهات غير المباشرة مع الولايات المتحدة عبر الحروب البحرية والاستنزاف طويل الأمد.

الحوثيون.. من نزاع محلي إلى أداة إقليمية

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة قللت لسنوات من خطورة الحوثيين، واعتبرت صعودهم جزءاً من نزاع يمني داخلي محدود، غير أن الجماعة تحولت تدريجياً إلى قوة إقليمية قادرة على تهديد واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وأكدت الصحيفة أن الحوثيين ما يزالون يحتفظون بالقدرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية والعقوبات المفروضة عليهم، وهو ما يجعلهم ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران يمكن استخدامها في أي مواجهة إقليمية مستقبلية.

وأضاف التقرير أن طهران تدرك اليوم أن مجرد التهديد بإرباك حركة الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب كفيل بإحداث اضطراب واسع في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، حتى دون الدخول في حرب شاملة.

ورأت «إندبندنت» أن إيران قد تلجأ إلى استخدام الحوثيين لإشعال فوضى بحرية جديدة في مضيق باب المندب ضمن ما وصفته بـ"الحرب الخفية" مع الولايات المتحدة، خاصة بعد فشل عملية "الغضب الملحمي" في القضاء الكامل على القدرات الصاروخية الإيرانية.

ورغم أن الحوثيين التزموا قدراً من الهدوء النسبي مؤخراً، إلا أن الصحيفة أشارت إلى وجود مخاوف متزايدة لدى الخبراء الغربيين من إعادة نشر الجماعة لتهديداتها البحرية في أي لحظة، خصوصاً في الممرات الحيوية التي يمر عبرها النفط والتجارة العالمية.

ويُعد مضيق باب المندب من أهم الممرات المائية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة الدولية.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مرّ عبر المضيق خلال عام 2025 أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يومياً، أي ما يعادل نحو 6% من الإمدادات النفطية العالمية، رغم تراجع حجم الحركة التجارية مقارنة بما كانت عليه قبل تصاعد الهجمات الحوثية.

شكوك حول تدمير القدرات الإيرانية

وفيما واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد أن الضربات الأمريكية "دمرت" الجيش الإيراني وقدراته الصاروخية، نقلت الصحيفة عن تقييمات استخباراتية للناتو ووكالات أمريكية أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من ترسانتها العسكرية.

وبحسب التقرير، تعتقد استخبارات الناتو أن إيران احتفظت بما لا يقل عن 60% من قدراتها الصاروخية، إضافة إلى استمرار عمل معظم منشآتها العسكرية تحت الأرض بشكل جزئي أو كامل. كما نقلت الصحيفة عن تقارير أمريكية أن 90% من مواقع التخزين والإطلاق الإيرانية المحصنة ما تزال قادرة على العمل، بما في ذلك عشرات المواقع المنتشرة على امتداد مضيق هرمز.

وأشار التقرير إلى أن طهران ما تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة الانتحارية، وهي أدوات تشكل – بحسب خبراء أمريكيين – جوهر القوة غير المتكافئة التي تعتمد عليها إيران في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.

وقال فرانك أ. روز، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، إن قوة إيران لا تكمن في المواجهة التقليدية المباشرة، بل في "الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والعمليات السيبرانية والجماعات الوكيلة". وأضاف أن هذه الأدوات تمنح طهران قدرة مستمرة على "إحداث اضطراب خطير" في المنطقة حتى بعد الضربات العسكرية التي تعرضت لها. 

وأكد التقرير أن مضيق هرمز ما يزال يمثل الورقة الأخطر في الاستراتيجية الإيرانية، باعتباره ممراً يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. ورغم إعلان واشنطن إعادة فتح المضيق بعد العمليات العسكرية، أوضحت الصحيفة أن إيران ما تزال تفرض سيطرة فعلية على حركة الملاحة عبر الألغام البحرية والزوارق السريعة ورسوم العبور التي أقرها البرلمان الإيراني مؤخراً.

وأشار التقرير إلى أن ما يعرف بـ"أسطول البعوض" الإيراني، المكوّن من زوارق هجومية سريعة يصعب تعقبها، ما يزال يشكل تهديداً مستمراً للسفن التجارية والعسكرية في الخليج. كما نقلت الصحيفة عن وسائل إعلام إيرانية دعوات لفرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، في خطوة تهدف – بحسب مراقبين – إلى منح طهران نفوذاً إضافياً على البنية التحتية الرقمية العالمية.

وتنقل هذه الكابلات نحو 99% من حركة الإنترنت العالمية، إضافة إلى خدمات الاتصالات والبيانات والحوسبة السحابية. وحذرت تقارير غربية من أن أي استهداف لهذه الكابلات قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الإنترنت والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية العالمية.

الحرب السيبرانية.. جبهة أخرى للصراع

ولفت التقرير إلى أن التهديد الإيراني لا يقتصر على الممرات البحرية فقط، بل يمتد أيضاً إلى الهجمات الإلكترونية ضد البنية التحتية الحيوية في المنطقة والغرب. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين تحذيرات من تصاعد خطر الهجمات السيبرانية المرتبطة بإيران، خصوصاً ضد منشآت المياه والطاقة والاتصالات.

وقال جيفري هول، المسؤول في وكالة حماية البيئة الأمريكية، إن اختراق أنظمة المياه والصرف الصحي قد يؤدي إلى أضرار مباشرة بالصحة العامة وتعطيل الخدمات الأساسية. وأشار التقرير إلى أن وكالات أمريكية عدة، بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي ووزارة الطاقة، دعمت هذه التحذيرات المتعلقة بالأنشطة السيبرانية الإيرانية.

وفي سياق متصل، استعرض التقرير تحليلاً نشره مركز سيمبسون الأمريكي، اعتبر أن تدخل واشنطن في البحر الأحمر ضد الحوثيين انتهى عملياً إلى "تسوية محدودة" منحت إيران دروساً استراتيجية مهمة. وأوضح التحليل أن عملية "الفارس الخشن" انطلقت بهدف استعادة حرية الملاحة وإنهاء الهجمات الحوثية، لكنها انتهت باتفاق غير معلن اقتصر على حماية السفن الأمريكية فقط، بينما استمر الحوثيون في تهديد بقية السفن التجارية.

ورأى التحليل أن هذا التراجع الأمريكي منح الحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم كقوة أجبرت واشنطن على تقليص أهدافها، وهو ما عزز خطاب "الانتصار" داخل محور إيران الإقليمي. وأضاف أن الحوثيين واصلوا لاحقاً فرض نفوذهم على الملاحة الدولية، بل وبدأوا بفرز السفن وفقاً لهويتها السياسية، في مؤشر على ترسيخ نفوذهم البحري.

وخلص التقرير إلى أن ما جرى في البحر الأحمر يعكس نمطاً متكرراً في التدخلات الأمريكية، حيث تبدأ العمليات العسكرية بأهداف واسعة ثم تنتهي بتسويات محدودة لا تعالج جذور الصراع. وأشار إلى أن هذا النمط تكرر في ملفات عدة من لبنان إلى ليبيا، وأن إيران باتت تدرك كيفية استثمار هذا الأسلوب لصالحها، سواء في البحر الأحمر أو مضيق هرمز.

ورغم الضربات التي تعرضت لها إيران وخسائرها العسكرية، يرى التقرير أن طهران ما تزال قادرة على فرض حالة من عدم الاستقرار الإقليمي عبر أدوات الحرب غير المتكافئة، مستفيدة من تردد واشنطن في خوض مواجهات طويلة ومكلفة.

وختمت الصحيفة تقريرها بالتساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستستوعب دروس البحر الأحمر هذه المرة في مضيق هرمز، أم أنها ستكرر النهج ذاته الذي منح خصومها فرصة لإعادة التموضع وتعزيز نفوذهم الإقليمي.