سياسة الوكلاء.. ورقة إيران الأخيرة لإعادة تشكيل نفوذها الإقليمي
العالم - منذ ساعة و 39 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن:
يبقى المحور الإيراني تحت مجهر التحليلات الدولية في ضوء تقرير حديث صادر عن وزارة الدفاع الأميركية، يعكس هشاشة الهيكل الداخلي للنظام الإيراني وتراجع قوته المباشرة في التعاملات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على اعتماد طهران المتزايد على وكلائها لتعويض حدود نفوذها، عبر تصدير الأزمات وتهديد الاستقرار في دول الجوار.
وشدّد تقرير "البنتاغون" على أن إيران، برغم ضغوط العقوبات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها، تواصل توظيف شبكتها من الميليشيات والتكتلات المسلحة كأدوات ضغط في الوقت الذي لا تستطيع فيه التدخل العسكري المباشر بنفس السلاسة التي كانت تتمتع بها في الماضي، وهو ما يحمل تبعات أمنية خطيرة على المنطقة بأسرها ويزيد من احتمالات الصدامات المحتملة مع القوات الأجنبية أو شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
التقرير الأميركي الجديد لا يكتفي بوصف هذا الأسلوب بأنه تكتيك انتقالي لإبقاء النفوذ الإيراني قائمًا، بل يرى في ذلك مؤشرًا لضعف هيكلي يعاني منه النظام منذ سنوات، ويدفعه إلى تنشيط وكلائه من أجل تعويض قدراته المتدهورة، وذلك عبر خلق أزمات متعددة في دول مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، في محاولة لضمان استمرار تأثيره كقوة إقليمية فاعلة حتى في ظل انكماش قدراته العسكرية المباشرة.
ويربط محللون بين هذا التوجّه الإيراني وبين تحذيرات مماثلة صادرة في السنوات الماضية، تؤكد أن طهران تحاول الحفاظ على نفوذها عبر شبكات غير رسمية أو شبه حكومية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضع حلفاء الولايات المتحدة أمام تحديات جديدة في إدارة الأزمات من دون وقوعها في معارك مفتوحة.
على الجانب الآخر، تأتي الإستراتيجية الدفاعية الأميركية الجديدة، التي أصدرها البنتاغون كوثيقة رسمية موزعة على نحو 34 صفحة، لتعكس تحوّلًا في أولويات واشنطن التي تسعى إلى تطبيق مبدأ “أميركا أولاً” بشكل عملي داخل سياستها الدفاعية والأمنية، ما يعني أن الدور الأميركي في النزاعات الخارجية صار يُنظر إليه من منظور الحد الأدنى الضروري للدفاع عن الأمن القومي الأميركي، مع تقليل التدخلات العسكرية المكلفة، وتكثيف الضغط على الشركاء والحلفاء لتحمّل أعباء الدفاع عن أنفسهم.
وتشير الوثيقة إلى أن إيران لا تزال مصدرًا أساسيًا للتهديد الإستراتيجي، وأنها تحافظ على عزمها على إعادة بناء قدراتها العسكرية رغم العقبات المتباينة التي واجهتها، بل وأن القيادة الإيرانية تركت “الاحتمال مفتوحًا” بشأن السعي لاكتساب قدرات نووية، وهو تطور يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى التحديات التي تواجهها المنطقة.
وتُظهر الإستراتيجية الأميركية أيضًا أن واشنطن تتعامل مع إيران في إطار إستراتيجية أوسع، تشمل مراقبة تحركات وكلائها كما أشار الناطق الرسمي للسياسة الخارجية الأميركية، الذي أكّد أن القرار النهائي لأي عمل عسكري يبقى في يد الرئيس دونالد ترامب، وأن تركيز الإدارة الحالية ينصب على مراقبة تلك التحركات ودعم الشعب الإيراني، بعيدًا عن الدخول في صراع عسكري شامل، في سلسلة من التوجّهات التي تهدف إلى تقليل التوسّط العسكري الأميركي المباشر في النزاعات، ودفع الحلفاء نحو تعزيز قدراتهم الذاتية في مواجهة التهديدات.
وبينما يتخوف بعض المسؤولين في الولايات المتحدة وحلفائها من أن توظيف الوكلاء من قبل إيران يمكن أن يؤدي إلى تدهور أمني أكبر، حذّر سياسيون أتراك من أن أي عدوان أو هجوم على الأراضي الإيرانية قد يقابل بردّ سريع ومنسّق من قبل هذه الشبكات التي تربطها طهران، وهو السيناريو الذي يضع المنطقة أمام مخاطرة النزاعات المندلعة في أكثر من اتجاه في وقت واحد.
ومن منظور إقليمي، يرى المحللون أن معادلة النفوذ في الشرق الأوسط أصبحت أكثر تعقيدًا في ظل المحاولات الإيرانية لإعادة توظيف وكلائها لتعويض ضعفها المباشر، مقابل مقاربة أميركية تتجه نحو تقليص الأدوار العسكرية المفتوحة، مع التشديد على الأمن الداخلي. ويُنظر في وثيقة البنتاغون إلى إسرائيل كحليف قادر على الدفاع عن نفسه بدعم أميركي حاسم لكنه محدود، في سياق يستدعي توازنًا بين الدعم والرغبة في عدم جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهات واسعة خارج مصالحها الأساسية.
وأخيرًا، لا تقتصر تداعيات الإستراتيجية الدفاعية الجديدة على الملف الإيراني فحسب، بل تشمل أولويات أميركا اللاتينية والحفاظ على الهيمنة العسكرية في نصف الكرة الغربي، فضلاً عن إعادة توزيع المسؤوليات الدفاعية مع حلفاء مثل كوريا الجنوبية في مواجهة التهديدات الكورية الشمالية، ضمن رؤية أميركية تؤكد على ضرورة تحمل الحلفاء العبء الأكبر في مواجهة خصومهم، مع إبقاء الدور الأميركي في دعم حيوي لكنه محدود، في تحوّل جوهري يعكس تغيّرًا في النمط التقليدي للأمن الدولي.
>
