تجاهل النهب والاعتقال.. محاولة حوثية لاحتواء غضب قبائل الجوف بـ«فحص DNA»
السياسية - منذ ساعة و 9 دقائق
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
تحاول ميليشيا الحوثي الإيرانية احتواء موجة غضب قبلي متصاعدة في محافظة الجوف ومناطق سيطرتها عبر التركيز على نفي هوية امرأة عُرفت إعلامياً باسم "ميرا صدام حسين"، بينما تتجنب الخوض في جوهر القضية المرتبط باتهامات لقيادات نافذة بالاستيلاء على منزلها واعتقال شيخ قبلي تكفّل بحمايتها وفق الأعراف القبلية.
وبينما دفعت الجماعة بأجهزتها الأمنية والجنائية لتقديم رواية رسمية تنفي نسب المرأة للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، كانت قبائل دهم في محافظة الجوف تتحرك في اتجاه آخر، معتبرة أن القضية لم تعد مرتبطة بالهوية الشخصية، بل بما تصفه بـ"انتهاك الأعراف القبلية، وتغول النفوذ المسلح على الحقوق الخاصة".
وأعلنت وزارة الداخلية التابعة للحوثيين في صنعاء، الأحد، أن نتائج فحص البصمة الوراثية (DNA) أثبتت أن المرأة يمنية وتنتمي لأسرة من صنعاء، وأن اسمها الحقيقي "سمية أحمد محمد عيسى الزبيري"، في محاولة لإغلاق الجدل الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية.
البيان الحوثي ركّز بشكل كامل على نفي الرواية المتداولة بشأن نسب المرأة، مقدماً تفاصيل موسعة عن مكان ميلادها وتعليمها وزيجاتها السابقة، في حين تجاهل تماماً القضية الأساسية التي دفعتها للظهور العلني وطلب الحماية القبلية، والمتمثلة – بحسب مصادر قبلية – في استيلاء قيادي حوثي نافذ على منزل كانت تقيم فيه بصنعاء.
بحسب مصادر محلية الجماعة حاولت إعادة صياغة القضية وتحويلها من ملف يرتبط بالنفوذ والحقوق العقارية إلى مجرد "ادعاءات شخصية" يسهل تفنيدها عبر الأدلة الجنائية، بهدف تخفيف الضغط الشعبي والقبلي المتزايد. وتؤكد المصادر إن التركيز الحوثي على "إثبات الهوية" بدلاً من فتح تحقيق شفاف في اتهامات النهب والاستيلاء، يعكس طبيعة إدارة الجماعة للأزمات، والتي تقوم غالباً على التحكم بالسردية الإعلامية أكثر من معالجة جذور المشكلة.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن النزاعات المتعلقة بالممتلكات في مناطق النزاع اليمنية تشهد تزايداً في الانتهاكات المرتبطة بالنفوذ العسكري وغياب القضاء المستقل.
في محافظة الجوف، حيث يتصاعد الاحتقان القبلي منذ أيام، لا تبدو نتائج فحص الـDNA ذات أهمية كبيرة بالنسبة للقبائل المحتشدة في اليتمة ومحيطها، إذ تعتبر أن القضية تتعلق أولاً بانتهاك "حق المستجير" واعتقال شيخ قبلي تبنى حماية امرأة لجأت إليه بعد تعرضها للظلم، وفق روايتهم.
وتتهم القبائل الحوثيين باعتقال الشيخ حمد راشد فدغم الحزمي والمرأة التي كانت تحت حمايته بعد اعتراض موكبهما في منطقة الحتارش بين صنعاء والجوف، في خطوة اعتبرتها "إهانة مباشرة للأعراف القبلية".
وفي العرف القبلي اليمني، تُعد حماية المستجير من أقدس الالتزامات الاجتماعية، ويُنظر إلى المساس به باعتباره اعتداءً على القبيلة نفسها، وليس على الفرد فقط. ولذلك، فإن القبائل ترى أن الجماعة تتعمد القفز فوق أصل الأزمة عبر إشغال الرأي العام بقضية النسب، بينما تتجاهل ما تعتبره "جريمة نهب وخرقاً للأعراف".
ويؤكد خبراء في الشأن اليمني أن الجماعات المسلحة غالباً ما تصطدم بالبنية القبلية عندما تحاول إحلال سلطة القوة محل منظومة الأعراف التقليدية، خصوصاً في المناطق الشمالية التي لا تزال القبيلة فيها لاعباً رئيسياً في إدارة المجتمع.
وتتداول مصادر قبلية وإعلامية اسم القيادي الحوثي والتاجر المعروف فارس مناع باعتباره الطرف المتهم بالوقوف خلف الاستيلاء على المنزل محل النزاع، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها أي تعليق رسمي حتى الآن. ورغم عدم وجود تحقيقات مستقلة يمكن الاستناد إليها بشكل قاطع، إلا أن تداول اسم مناع أعاد إلى الواجهة الجدل القديم حول العلاقة بين مراكز النفوذ الاقتصادي والعسكري داخل الجماعة، خصوصاً في الملفات العقارية والتجارية.
ويرى ناشطون أن تجاهل الجماعة لهذه الاتهامات والتركيز بدلاً من ذلك على "الفضيحة الإعلامية" المتعلقة بالهوية، يعكس حساسية الملف وخشية الحوثيين من فتح نقاش أوسع حول النفوذ المالي لبعض قياداتهم.
على الأرض، تتسع دائرة التوتر يوماً بعد آخر. فقد واصلت قبائل دهم احتشادها المسلح في بلدة اليتمة، ونصبت الخيام ونقاط التفتيش، كما أقدمت على احتجاز شاحنات ومركبات مرتبطة – بحسب مصادر قبلية – بتجار وشخصيات محسوبة على الجماعة.
ويشير هذا التحرك إلى أن القبائل بدأت الانتقال من مرحلة الاحتجاج الرمزي إلى استخدام أدوات ضغط اقتصادية وميدانية مباشرة، في رسالة واضحة بأن القضية لم تعد قابلة للاحتواء بالبيانات الإعلامية.
ويرى مراقبون أن أخطر ما تواجهه الجماعة حالياً ليس الجدل الإلكتروني حول "ميرا صدام حسين"، بل احتمال تحوّل القضية إلى نموذج جديد للاعتراض القبلي المنظم ضد سياسات الجماعة في مناطق سيطرتها.
فالجوف، التي تُعد من أكثر المحافظات حساسية من الناحية القبلية والعسكرية، شهدت خلال السنوات الماضية توترات متكررة بين الحوثيين والقبائل، لكن الأزمة الحالية تبدو مختلفة لأنها تمس جانباً شديد الحساسية يتعلق بالشرف القبلي وحق الحماية.
وتكشف هذه القضية عن أزمة أعمق داخل مناطق سيطرة الحوثيين، تتعلق بتراجع الثقة بالمنظومة القضائية والأمنية، واتساع الشعور بأن النفوذ المسلح بات يتقدم على القانون والأعراف معاً.
ففي الوقت الذي حاولت فيه الجماعة تقديم نتائج فحص الـDNA باعتبارها "الحقيقة النهائية"، كانت القبائل تسأل سؤالاً مختلفاً تماماً: من استولى على المنزل؟ ولماذا اعتُقل الشيخ الذي وفر الحماية؟ ومن يملك سلطة محاسبة النافذين؟
وهنا تحديداً تبدو الجماعة أمام معضلة حقيقية؛ إذ إن نجاحها في السيطرة الأمنية والعسكرية لم يترجم بالضرورة إلى قدرة على ضبط التوازنات الاجتماعية والقبلية، خصوصاً عندما تتعلق القضية بمفاهيم متجذرة مثل "النخوة" و"الاستجارة" و"حماية الجار".
ويرى محللون أن استمرار الحوثيين في إدارة الأزمات عبر الأدوات الأمنية والإعلامية فقط، دون فتح مسارات قانونية شفافة أو احتواء الغضب القبلي، قد يدفع نحو مزيد من التوترات في مناطق يُفترض أنها خاضعة لسيطرتهم الكاملة.
>
